التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر






رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة.
هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أرملة" و"حرم المرحوم" وأم الأبناء العشرة؟! ربما لحظات كثيرة، لكنها أتمّت بعدها سيرها في الحياة. 
صحيح أزعجتني وربما ما زالت، تلك الخطوط الحُمر، لكننّي تصالحتُ معها باعتبارها ضريبة الحصول على كل ما سبق من الحرية والحقوق والتربية الجيدة والحنان والرعاية في الصحة والمرض والاحتضان في الفرح والحزن، حتى أصبحت امرأة تستطيع تحمّل مسؤولية ورعاية نفسها بنفسها، أنا محظوظة إذن.
هل التعليم والعمل والبحث عن تجارب جديدة رغبَة النساء جميعًا؟ هل الرغبة هي الكلمة الأنسب لنا جميعًا نحن نساء العالم؟ بالطبع لا، فامرأة ولدت في بلدة تابعة لمدينة وإداريًا لمحافظة تابعة لشبه دولة واقعة تحت احتلال عسكري وتهديد بانتزاع الحق في الحياة والعيش الكريم من جنود الاحتلال أو من بيئة الأعمال المتوفرة في تلك البلد، حياتها مختلفة عن حياة امرأة ولدت في مدينة وبيئة آمنة في دولة كاملة غير محتلة وغير مهددة عسكريًا وحقها في الحياة والكرامة شيء بديهي لا أحد يحاول انتزاعه.
لكن هل كل النساء في وطني عشنَ نفس تجربتي وامتلكن نفس رغباتي واحتياجاتي وحققن ما يُردن؟ بالطبع لا. سؤال آخر، هل كل النساء اللاتي عشن في بلاد بعيدة مستقلة مع حقوق بديهية مكتسبة عند الولادة، جميعهن عشن أيضًا نفس التجربة؟ بالطبع لا.
كلّ امرأة هي تجربة مختلفة، إذا أرادت المرأة البقاء في المنزل وتعلّم مهارات منزلية ضمن عائلتها ليس من حقّي أن آتي وأقول لها "عليك أن تذهبي لتتعلمي.. لتعملي خارج المنزل.. لتحققي ذاتك.. و" حقّها أن تعيش تجربتها الخاصّة، وحقّي كذلك، لذا لا كلمة عُليا لي تجاهها ولا كلمة عُليا منها تجاهي بأن تجبرني على التخلّي عن رغباتي وحاجاتي.
ليس العيش وحدي وتحمّل نفقاتي الشخصية والخروج من قوقعتي نحو هذا العالم الفسيح بالأمر السهل دائمًا، كذلك ليست تجارب النساء المعاكسة لخطّي في الحياة سهلة، لكل قرار أو خيار –إذا كانت هذه كلمة دنيوية صالحة- ثمنٌ ندفعه.
ماذا عن باقي نساء العالم؟ هناك امرأة جمعت بين العلم والعمل والعائلة، أخرى تخلّت عن أحد الأشياء لصالح أخرى، توجد أمهّات عزباوات، أخريات تحررن من كلمة الزواج ويعشن مع شركاء رجال في بيت واحد وقد يكون لديهم أطفال.. هناك امرأة نجت وحدها من حطام البيت في الحرب، كانت هي عائلة نفسها، توجد امرأة- طفلة في الثالثة عشرة فقدت أمها ووجدت نفسها بين إخوة وأب يكسبون لقمة العيش هي صارت أمّهم! توجد امرأة تقطع عشرات الأميال في قطار لتعمل في مصنع 12 ساعة بعيدة عن أطفالها مقابل دولارين فقط، توجد امرأة وجدت نفسها بين يوم وليلة في العراء دون زوج وأبناء قتلهم الإرهاب والحرب والجنود أو أجهزة الأمن في دولتها بسبب موقف سياسي أو عنصري، وباتت تفكر في الخطوة المقبلة وتختبر قدرتها على الحياة، توجد امرأة تنتحر وأخرى على مشارف الانتحار، توجد امرأة وجدت رغبتها في امرأة لا برجل، وأخرى غيّرت جنسها أو بدلّت مظهرها لتصبح رجلًا، ورابعة تعمل في مناجم الفحم تحت الأرض، وخامسة أنجبت وحيدة داخل زنزانة انفرادية وعضّت حبلها السريّ حتى بكى طفلها، توجد امرأة تبيع جسدها كل يوم مُجبَرة لمن يدفع الثمن، لم يقل لها أحد "أحبك" لم تقل لرجل "أحبك"، في المقابل توجد امرأة يُعجبها أن تبيع جسدها وأصبح مهنة لديها وقد تكون متزوجة لديها أطفال في دول قننّت هذا العمل، توجد امرأة تتعرض للختان أو تبكي أو تضحك الآن.. هل سأعدّ ملايين النساء اليوم؟ لا أستطيع..
أنا محظوظة إذن؛ كتبت ونشرت ما أريد قوله، لتقرأه نساء غيري يقرأه رجال، تتوفر لديهم خدمة الإنترنت ويستطيعون القراءة والكتابة، بينما ملايين النساء حول العالم مشغولات الآن بالبحث عن لقمة العيش إن لم يكن لهن فلأطفالهن أو عائلاتهن أو يبكين بعد اغتصاب أو تعنيف جسدي من قبل رجل وقعن في حبّه.. في هذه اللحظة تحديدًا، أنا المحظوظة أحاول ألا أنساهن في غمرة التمتّع بهذا الحظ.


تعليقات


شركة المثالية للتنظيف تسعد بتقديم خدماتها لعملائها بالمنطقة الشرقية خدمات تنظيف خدمات مكافحة حشرات خدمات تسليك مجاري المياه للمطابخ والحمامات جميع الخدمات المنزلية تجدونها مع شركة المثالية للتنظيف بافضل جودة وارخص الاسعار بالاعتماد علي كافة الادوات الحديثة والعمالة الماهرة

شركة المثالية للتنظيف
شركة المثالية للتنظيف بالدمام
شركة المثالية للتنظيف بالخبر

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا أحب هذا الرجل بالذات؟

لم أحظ يومًا بفرصة اختيار "حقيقية" للرجل الذي أحب. دعوني أتناول حياتي كامرأة شرقية مسلمة لا أقارب لها من الرجال غير إخوتها، ثم أرى إن كنتُ "اخترت" بالفعل حين وقعت في الحب سابقًا. درست في مدرسة للبنات (غير مختلطة) منذ الصف الأول حتى الثانوية العامة، أي أنني لا أعرف من الرجال غير إخوتي، وأبي الذي مات وأنا عندي 5 سنوات فقط، وأولاد الجيران الذين شاركتهم اللعب في الحارة حتى الصف الخامس، قبل أن يسحبني أخي من لعبة مختلطة أمام بيتنا ويقول لي "لقد كبرت. عليك أن تتوقفي عن اللعب في الحارة". وغير هؤلاء الأولاد، كان الزملاء والمشاركون معي في عدة نواد صيفية، وكنت طفلة، وسن المدرسة جميعه أعتبره مرحلة طفولة، بما فيه المراهقة. أي أنني في مرحلة بناء نفسي بالتالي لم أتعرّف على صفاتي وقدراتي وما أحب وما لا أحب، والرجل في نظري هو ولد يبتسم لي في طريق المدرسة أو يشغّل أغنية حب حين أمر به، ولا شيء أكثر، لا مشاريع حب لا مشاريع زواج، فعائلتي لا تُزوّج الفتيات في سن الدراسة، والتعليم أمر مهم لنا، بالتالي فكرة "الرجل العريس" لم تكن واردة إطلاقًا. بالطبع فإن العلاقة بيني …

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…