التخطي إلى المحتوى الرئيسي

Breaking Bad .. القليل من "الميث" .. هل يكفي؟!




 
المسلسل حاز على جوائز عالمية عدة في مجال التمثيل والسيناريو

رحمة حجة


سأبدأ هذه التدوينة بالعبارة الأولى التي سمعتها من زميليّ في العمل اللذين رشحا مسلسل "Breaking Bad"الأميركي، وهي "صحيح سيصيبك الملل في البداية لكن إذا صبرت ستتعلقين به بشكل غير معقول"، وفعلياً لم يقنعني كلامهما بداية، خاصة أن الحلقات الخمس الأولى من موسمه الأول مثلت لي تحدياً غير مسبوق في مقارعة الملل، لأتركه وأشاهد مسلسلين آخرين غيره، لكني عدت له بعد ذلك لأتأكد من صدق العبارة.
وهذا ما حصل بالفعل، تعلقت به لدرجة أنني ولثاني مرة في حياتي بعد تعلمي حياكة الصوف، تمنيت بشدة أن يكون اليوم أكثر من ٢٤ ساعة، يا قصر أيامنا حين نحب شيئًا!
لم أشاهد في حياتي مسلسلاً أكثر عبقرية في تسلسل الأحداث والتفاصيل مثله، إنه هذا النوع المتقن عملياً ومنطقياً، الذي لا يهمل تفصيلًا من كلمة أو حركة أو موقف أو معلومة، وقد تزعجك القصة أو توجعك، تضحكك أحيانا وتبكيك أكثر، تنام وتصحو وأحداثها وشخصياتها لا تفارقك، لكنها بالتأكيد -على الأقل بالنسبة لي- لن تحصد أي نقد سلبي منك.
يطرح المسلسل ببساطة كل تعقيداته، قصة تحول أستاذ كيمياء في مدرسة أميركية ب "نيو مكسيكو" القريبة من المكسيك إلى تاجر مخدرات يشغل البلاد بالمنتج الذي يصنعه مع أحد طلابه الذي قبض عليه سابقاً في قضايا متاجرة بالماريغوانا. واسم منتجه "Blue Crystals" أو "Methylamine" والمعروف اختصاراً "Meth".
والشخصية الرئيسة "والتر وايت" يؤديها الفنان  Bryan Cranston  بأسلوب غاية في الاحترافية، إلى جانب الفنان الشاب المذهل في أدائه أيضًا Aaron Paul الذي يقوم بدور الطالب المساعد لأستاذه في تحضير العقار المخدر وهو الوحيد الذي كان يتقن إنتاجه بمواصفات عالية كأستاذه.
وفي الحقيقة لا أعرف إن كان أي بديل يصلح لأي ممثل، إذ شعرت أن اختيارهم تم بتلك الدقة التي جعلتني أصدق أنهم يؤدون شخصياتهم الحقيقية ولا يمثلون فقط.. خاصة أن الشخصيات الأساسية في العمل استمرت في جميع المواسم الخمسةة ولم يتم تغيير أي ممثل بآخر بين الأعوام ٢٠٠٨ و ٢٠١٣، وهي أعوام إنتاج المواسم تلك.
أما الذي يقف خلف ذلك كله بحرفية كتابة أغلب الحلقات فهو Vince Gilligan. وأخرج خمسًا منها.
 
الشخصيات المحورية

 التمرحل

والتر وايت المدرس الطيب المحبوب من قبل الجميع لكن طلبته يشعرون دائما بالملل في حصصه، وهو يملك خبرات أكبر من المهنة التي يؤديها أي أنه "Over qualified"، لكن لم يحالفه الحظ بوظيفة مناسبة، كما أن دخله السنوي لا يكفي لسداد كافة الاحتياجات لأسرته، الشيد الذي أدركه بشدة حين عرف بإصابته بالسرطان، فقرر إنتاج وبيع عقار مخدر وفقاً لخبرته في الكيمياء، لتجميع المبلغ اللازم لعائلته من أجل أن تعيش بكرامة بعد وفاته، لكن حين يصبح المنتج مرغوباً ومطلوباً من التجار الكبار الذين يسيطرون على سوق المخدرات، لا يتوقف عن العمل، ليحصد الملايين بعد ذلك، وكل ذلك بمعزل عن معرفة عائلته لأي شيء، لا سيما زوج أخت زوجته "عديله" الضابط في منظمة مكافحة المخدرات، الذي كان ذكياً جداً في إيجاد المجرمين والوصول إليهم والمرتبطون منهم بالصانع الكبير "هايزينبرغ" وهو الاسم المستعار لوالتر وايت في سوق المخدرات، لكن ذكاءه الذي يوصله إلى هايزينبرغ نفسه يحمل معه حتفه.
مع الوقت تبددت فكرة "من أجل عائلتي" وصارت صناعة "الميث" روحه. وبالطبع تتعرض العائلة لانتكاسات مريعة أترك تفاصيلها لمشاهدتكم.
لكن ما الفرق بين "والتر" و "جيسي"؟ الفرق أن الأول يتعايش مع جرائمه بينما الثاني يحيا بعذاب ضمير منقطع المثيل ويحاول تكرارا الخروج من هذه الدائرة، لكن وايت لا يترك له المجال أبدًا.

انطباعات

في هذا المسلسل الذي يعرض كمية كبيرة من الإجرام في عالم المخدرات وتجارتها بين الولايات المتحدة والمكسيك، يقول لك كاتب هذه الحكاية الواقعية بفجاجة إن لا أحد يولد مجرمًا، إذ يعرض قصة أغلبية الشخصيات المحورية في العمل وكيف تسلسلت عملياً في هذا الطريق، وإن كان تاريخ "مستر وايت" و"التوأمين المكسيكيين" و "غوستافو" شرح لنا عبر حاضر أو "فلاش باك"، فإن مسلسلا كاملا يوضح الأسباب والنتائج التي أدت لخلق محامٍ مثل "سول" هذا القادر على محو أي جريمة وإيجاد وسائل تواصل بين المجرمين، وخبرته في تبييض الأموال، إضافة لإحرازه النجاح في أي قضية مهما كانت مستعصية، واسم المسلسل "Better Call Saul"، ويؤدي الدور الفنان القدير Bob Odenkirk.
نقطة التحول لدي في الانحياز أو التواطؤ مع "مستر وايت" بدأت حين قتل عالم الكيمياء الذي يتقن التركيبة مثله واسمه "غيل" وذلك لحماية نفسه من القتل، فيما القاتل الذي لم يملك أي خيار حينها وهو جيسي يظل يتعذب بذنبه حتى نهاية المسلسل لأنه يعلم أنه قتل شخصًا بريئًا جدًا، غدرًا، وهو لم يؤذه البتّة.
هذا المسلسل ببساطة أضاف لي الكثر، هو مدرسة وإذا كان من شيء يستحق أن يدرسه طلبة كتاب السيناريو والدراما والمسرح والإخراج، فهو في المقدمة.  
وبعد هذا العمل لم أبدأ بعد بأي مسلسل جديد، وهذه الحالة لم تصبني وحدي، إذ قرأتها عند الكثير ممن تابعوه في مراجعتهم له، تشعر أنك تريد ألا تنهيه أو ربما لا تشوه ذائقتك بشيء آخر دون مستواه، وربما أكثر أنت تتعلق بالشخصيات فتريد أن تراها مجددًا أو تشعر بها أكثر.




تعليقات

‏قال Blogger
eToro صفقات التداول المفتوحة في 227,585,248

حكمة الجموع المتداولون الذين يستخدمون CopyTrader™ من eToro يزيد احتمال أن يحققوا أرباحًا بنسبة 60%

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…