التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلّم علي لمّا قابلني!


الأغاني هي الذاكرة، أحياناً.. وحين غنّت روبي "سلم علي لما قابلني" كان هذا النص

توقفت عن مناكفة القدَر واستسلمتُ لقراراته، ولا أعني بذلك أنني قبل ذلك اتخذتُ قراراً من رأسي، فكلّ ما كان هو قدر، وكل ما حدث وسيحدث قدَر.. أنا لا أختار شيئاً، الحياة تختار، وأنا مذعنة وراضية وأقول هل من مزيد!
هذا التوقف عن المجادلة الذاتية معه ومع الآخرين والأحداث التي جرت قبل هذا القرار، كان كل ما بعده مفاجئاً أكثر مما توقعت، هو بمثابة Science fiction بالنسبة لتطلعاتي من الحياة..
وإحدى هذه الحوادث القدرية، أنني رأيتك في ذلك اليوم، الذي جمع العشرات منّا أقصد نحن أبناء المهنة الواحدة.
لا أعلم إذا كنتَ لمحتني قبل أن ألمحك، أو رأيتني قبل أن أراك. كنتُ وحيدةً جداً، ورغم تجاربي العديدة في الحياة، ما زلتُ أجهل فن التعارف والسلام في اللقاءات والاحتفالات، أظل ملتفة بصمتي حتى يسألني أحدهم "كيفك؟" أو "مرحباً، أنا فلان، وأعمل في المكان كذا.." وإن لم يحصل ذلك، لا أبادر لتحية أحد. أنا هكذا -على الأقل لغاية كتابة هذه التدوينة- والقدر وحده يعلم إن كنت سأتغير.
كنت أرتدي الشال التركواز الذي تحبه، لكنني لم أرتده لأنك تحبه، فأنا لم أتوقع حضورك هذا الحفل، لكن ربما هو القدَر الذي جعلني أختاره، إضافة إلى أنني أساساً كنت نسيتك في تلك الفترة، وظننتُ كلّ الظن أنني توقفتُ عن الشعور بك كما السابق.. وللتنويه، السابق هنا يعني شيئاً يشبه الحب، أعني الحب من طرف واحد، وهذا الطرف اليتيم أنا.
كنتُ وحيدة ومحتارة هل أكسر وحدتي بشرب الماء أو العصير أو النسكافيه! الكثير من الوجوه تتحرك أمامي وأعرف بعضها من الصور في الفيسبوك أو التلفاز وأخرى قابلتها سابقاً. وفي تلك اللحظة تحديداً خُيّل لي أنّي رأيتك، بقميص أزرق سماوي وشعر مصفف أكثر من المعتاد، وذقن مشذّب، وجهٌ تهيّأ لاحتفال، هكذا رأيتك، لمدة 5 ثوانٍ وربما كانت الثواني سبعاً.. لا أدري..
وكأنّ شيئاً مسّني، أدرتُ وجهي ودمعةٌ تتحرك بين ضلوعي بانتظار فرصة للوقوف على هاوية العينين.. كنت أظن أنني حزينة جداً لدرجة أنني تخيلت وجودك.. كأنك شبح!
سارعت إلى صديقتي، هي فعلياً لم تكن في ذلك اليوم  صديقتي، إذ اختارت غيري للرفقة، لكنني احتجتُ أحدًا ما لإخباره عن هذا الارتباك والتوتر الذي أدخل البرد لجوارحي في يوم حار وفي المدينة الأشد حرارة في البلاد.. هي -على الأقل- كانت تعرف أنك عشتَ زمناً في تفاصيل القلب والذاكرة، لكن ما لم تعرفه هي و أنا حتى تلك اللحظة (رؤيتك)، أنك ما زلت تعيش فيهما..
عدتُ محاولة التماسك إلى حيث رأيتك، ثم بالفعل رأيتك.. أنت هنا حقاً، تجلس مع أصدقائك الذين أعرفهم، تضحك معهم.. أنت حقيقي إذاً ولستَ شبحاً..
سلمت علي بعينين وضحكة تدّعي أنك متفاجئ بوجودي أيضاً، ثم قلت "كيفك؟" وأنا هضمتُ كل ارتباكي وتوتري وابتلعتُ ذاكرتي وهذّبت ابتسامتي وأبقيتُ قائمتي ورأسي منتصبين، أثناء الرد "الحمد لله، تمام.." ثم انتهى كلّ شيء.. عدتَ إلى أصدقائك وأنا عدتُ إلى من لسنَ صديقاتي..
لماذا هذا المكان قدر؟ ربما لأنه كان شاهداً على أول مصارحة بالحب .. على أول صورة التقطها هذا الحب لنا، وأول ضحكة من قلب يخفق للمرة الأولى بالتوازي مع خفقان القلب الآخر.. لكنه لم يستمر طويلاً، ثم كنتَ أنت، وعدنا إلى نفس المكان، لكن ليس لنلتقي حبيبين، بل لنزيد مساحة الفراق بيننا عن سبق إصرار!
سؤالٌ وحيدٌ ظلّ يدوس على قلبي طيلة ذلك اليوم وفي طريق العودة حتى الوصول إلى غرفتي وتبديل ثيابي ثم إغماض عينيّ على غصّة "لماذا في هذا المكان الجميل الذي أحب، اختار القدر أن ألتقيك، دون أن نلتقي.. لماذا لم تتركهم وتأتي إلي ونعيش هذا اليوم معاً؟!" وجميع الذين سنتركهم لن يخسروا شيئاً دوننا.. لكننا، أنا وأنت، خسرنا كل شيء؛ والفرصةُ يا عزيزي كانت كلّ شيء.
  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…