التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المرأة.. هذا الكائن "الجنسي" الذي يجب "ضبطه"!


رحمة حجة

قضية اللباس الذي ترتديه المسلمات المحجبات على شواطئ البحار في مختلف بقاع العالم، ويُسمّى "بوركيني"، غدت أبرز العناوين المتداولة في الإعلام التقليدي والجديد، الأيام الماضية.
ومن كل ما قرأته وشاهدته، كان  تعليق بصيغة "GIF" تظهر فيه المرأة في الوسط، ومحاطة برجلين، أحدهما يعريّها ويغطّيها الآخر. وهي ما زالت تقف في المنتصف، بين رجلين.. بين عالَمين.. بين عقليتين، بين شهوتين!
لماذا لم يتورّع أحدهما ويترك لها خزانة الملابس مشرعة الأبواب فتختار ما تريد؟ لكن، هل تملك المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية هذا الحق؟ سؤال لا يُراد منه تعميم فرضية بقدر ما يحدد مناطق مرتبطة بعادات وتقاليد ودين، وعلى الأقل أنتسب إليها.
بدايةً هل العلاقة واضحة بين المرأة في هذه المجتمعات وجسدها؟ بالأحرى من الذي يحدد علاقتها بهذا الجسد؟ ومن هذين السؤالين دعونا ننطلق من  "العربي والإسلامي" إلى "العالمي" إذا جاز التعبير.
أفترض أن الدين والمجتمع، والأخير ذكوري جداً بطبعه، هما سبب علاقة مرتبكة بين المرأة وجسدها، علاقة غير مفهومة، ومتناقضة، تشعر فيها بالذنب أكثر ما تشعر بالرضى.
هي مذنبة إذا كشفت جزءاً منه، إذا انكشف جزءٌ آخر، ومذنبة أيضاً حين تلاحظ نظرات الرجال الشبقة إليها، لأن أول سؤال قد يتبادر إليها "ما بها ملابسي لينظر إليّ كذلك؟"
نحن النساء.. هل نحب أجسادنا أم نكرهها؟ هل نحبها لأنها "جميلة" أم "سيكسي" أو نكرهها لأنها أيضاً "جميلة وسيكسي"، كيف نستطيع النظر إليها بعين الحياد؟
كل ما تفعله الإعلانات التي تستخدم المرأة، هي التسويق لجسدٍ "سيكسي" من أجل بيع منتج لا علاقة له بالجسد، وهو ذات ما تفعله صور مثل "لحم مكشوف تعفّن وآخر مغطىً صالح للاستهلاك" وأخرى مثل "حلوى مكشوفة للذباب وأخرى مغطّاة صالحة للعق".
ولا أنسى الحكاية النكتة لــ"الجوهرة وملكة بريطانيا"، بالإضافة إلى شكل زجاجة "الكوكاكولا"، وتأويلات الجسد للمرأة بين التفاحة والإجاصة.. يا إلهي لا تكاد القائمة تنتهي!
المغزى من كل ذلك، أننا يا عزيزتي مجرد قطع لحم وحلوى وممتلكات ثمينة وأجساد للمُتعة وفق أذواق المُشترين.. أي الرجال!، يا للروعة!! خُلقنا من أجل ذلك؟!
إذاً، إعلانات، ومجتمع، ونساء، ورجال، ودين، وثقافة، وغيرها، يصف علاقة المرأة بجسدها، لدرجة أن نساء كثيرات بل ملايين النساء، مررن بتلك المرحلة، التي لا يستطعن فيها رؤية أجسادهن عارية أمام المرآة. أو إذا نظرن إليها فكرن "مممم هذا الجزء يجب أن أغيره، هنا يجب أن يكون أكبر.. هذا أصغر"، نعم.. نفكر بأكبر وأصغر، بالمقياس الذي يحدده كل ما ذكرت سابقاً.
أريد "مقياسي" أنا.. لكن الطريق إليه صعب ومعقد ومليئة بالأشواك!
يخطرني مسلسلٌ سوريٌ اسمه "ما ملكت أيمانكم"، كانت إحدى الشخصيات فيه، أيضاً تعاني من علاقة غير مفهومة بجسدها، حيث كلّما فكرت خارج صندوق تغطية شعرها بالحجاب وجسدها بالجلباب، بادرت إلى تسخين سيخ حديد وشرعت تحرق نقاطاً في ذلك الجسد. هذا التكفير عن الذنب، ولسع الذات، لمجرد أننا شعرنا بأننا "نحن" سبب أي فسادٍ في هذا الغلاف الذي نحيط أنفسنا به، وأن أنفسنا "الأمارة بالسوء" ستظل تلاحقنا وتصارعنا، وتظل الحياة محض صراع غير ذي جدوى.
وأفكاري السابقة، ليست سوى استحضار للبدايات.. حين خلق الله آدم وحوّاء، وشكّلهما كقطعتي "بازل"، هل كان يعلم أن البشر الذين سينحدرون من هذا النسل بعدهما، سيصرّون على المرأة وليس الرجل، بإخفاء أي انحناء أو بروز لـ"قطعتها"، كي لا تثير "القطعة" الأخرى وتجذبها في تلاقٍ "غير محمود"؟!
الله يعلم كل شيء.. هذا ما أعرفه، لكنني أظن -وأغلب الظن ليس إثماً- أنه غير سعيد بالأمر!
أفكّر في البدايات كثيراً، في الذي قاد إلى كلّ ذلك، إلى اللحظة التي أرى فيها عرباً ومسلمين مستائين من شكل امرأة تغطي كامل جسدها في استراحة على شاطئ البحر، ويطلقون تعليقاتهم كالرصاص على أخبار "البوركيني"، في صفحات عدة في "فيسبوك"، لا، العبارة الأصدق، أنهم يطلقونه نحو المرأة.
"لماذا ذهبت إلى البحر؟ لمَ لم تبق في بيتها؟ كان عليها أن تنسحب لا أن تخلع ثيابها.. هي تريد الشُهرة.. أساساً هذا ليس لباساً إسلامياً.. الشاطئ مليٌ بالعُراة والرجال وحرام تواجدها هناك... إلخ"، وهنا نعود "لأن هذا اللباس يصف ويشف" أي أنه يبرز "مفاتن المرأة" بالتالي تصبح "أسهل أقرب ألذ" في عيون الرجال، الذين يرونها كذلك، "قطعة حلوى".
إن فكرة "البوركيني" تشبه تماماً فكرة ارتداء حلقٍ مع الحجاب، أو ارتداء خلخال مع تنورة "ماكسي"، أو فكرة فستان "سترابلس" أسفله "بلوزة طويلة الأكمام"، كما تشبه "لفات الحجاب الملونّة ومتنوعة الشكل بين الكعكة والجديلة والقبّعة... إلخ"، وكل هذه الأمور تتنافى وما ورد منسوباً إلى تفسير آية قرآنية وأحاديث نبوية تتعلق بالحجاب، وهنّ لم يفقدن الذاكرة الدينية والاجتماعية، لكنهن لا يردن أو لا يستطعن الخروج عن "ملّة" الحجاب، فوجدن في الدمج بينه والأشياء هذه "فكرة مريحة"، لا تحرمهن رغباتهن في الحياة، وبشكل أو بآخر، يعُدن مجدداً إلى مربّع العلاقة مع أجسادهن.
أن أحب جسدي لأنني أحبه، ليس لأنه فقط مصدر جذبٍ للآخر- الرجل أو المرأة-، لم يكن يوماً مهمة سهلة، ولا مستحيلة أيضاً، وحبّه لا يعني بالضرورة السير عارية، أو داخل غلاف أسود أو ملوّن، أو ما بينهما.
أن أحبّه، أتقبّله كما هو، يعني أنني أغطّيه لأن هذا خياري واختياري وحرّيتي، وحين أعرّي بعضه أو كُلّه فهذا أيضاً خياري واختياري وحريّتي، فلا الأول يحميني ولا الثاني يجعلني فريسة سهلة، باختصار.





تعليقات

‏قال SkyWriter
شكراً رحمة
إن ما صحّ داخل الرأس, فلن يصح خارجه

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…