التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل سيخنقنا الله "خلف العتمة"؟




رحمة حجة

الجرّاح "الذي فقد عقله".. طفل الإشارة.. المرأة التي تنقب عن الثمار الذابلة أسفل عربات الباعة.. غسان المزدوج بين بارٍ وشيخٍ وزوجة متملّكة.. الإمام الذي يتحرش جنسيًا بالأطفال.. الخوف يدي الله الممتدتين في الفراغ إلينا لتخنقنا.. أزمة بيروت المرورية.. وغيرها وما بينها جميعًا في تفاصيل دقيقة جعلها الكاتب اللبناني سليم اللوزي في كفّة، وحياة الشخصية الرئيسة لرواية "خلف العتمة"، في كفة أخرى من ميزان الحلم واليقظة. 
137 صفحة -إلكترونية- قرأتها مشدودة إلى التفاصيل ومحاولة فهم المغزى أو ربما اللامغزى في سردها، تربطني خيوط تشويق عديدة داخلها، من أجل السير إلى النهاية، لكن ليس نهاية واحدة، بل نهايات عديدة، وربما ما يمكن أن يظنه القارئ "الأهم" لم ينته، وهو الجواب على سؤالات الشخصية الأساس: ماذا تريد "الحزينة" مني؟ ما الذي سيحصل في ما بعد؟

"الحلم واليقظة"

وإن كان اللوزي ضيّع خيط التشويق والتفاصيل غير المحشوة بالخطابات والأحكام الجاهزة والذاتية المطلقة للكاتب نفسه في صوغ الأحداث والحوارات، في "ذبائح ملونة"، فقد تفوق على نفسه في هذه "العتمة" بالولوج إلى الذات الإنسانية والعقل المشغول دائمًا بكل ما يحصل حوله، دون أن ينبس بحرف، إنما بمونولوجات متتالية ومتداخلة، يمكن أن تنشأ في السير على "كورنيش" البحر أو في باص المدينة الواصل بين البيت ومكان العمل، أو أثناء مشاهدة رهانات خاسرة في سباق الخيل، وغيرها من الأماكن، الملموسة في الواقع والمحسوسة في الحلم، لكن ما الشعرة الفاصلة بينهما؟!
تعيدني هذه الثنائية المتناقضة والمتكاملة إلى  مقاعد الجامعة في السنة الأولى، تحديدًا إلى شعبة "الدراسات الثقافي" وحوار بين الأستاذ وزميل بدا في ذروة عبثيته لحظتها، حين كنّا نناقش فكر رينيه ديكارت، ليقول عبد الصالحي: "كيف يمكننا التمييز بين اليقظة والحلم.. في أيّها نحن الآن؟"، ويجيبه الأستاذ: "نحن في اليقظة" ويرد الصالحي سريعًا لكن بهدوء وثقة "أو ربما في الحلم" وسط صمتنا نحن الطلبة..
يلجأ الغارق بين حلمه ويقظته في الرواية، إلى شيخ شبه عرّاف أو ساحر، وإلى الإنترنت، بحثًا عن تفسيرات علمية ومصطدمًا بتفسيرات دينية تتعلق بمفهوم "القرينة"، وإلى صديق، من أجل معرفة السر خلف كل ما يحيط به، زوجته شبه مغيّبة من هذه المعادلة، التي يعيشها بين وقائع حياته اليومية خارج البيت، وداخله بينما هي نائمة.
"هو"، الذي لم يمنحه اللوزي اسمًا، يخشى ما يراه في كل حلقة من مسلسل "الحزينة" الذي يعيشه، وفي ذات الوقت لا يريد التخلص منه، بالأحرى لا يرغب بالوصول إلى الحلقة الأخيرة؛ لماذا؟ أعتقد لأنه يوقن داخليًا أن انشغاله به ينهيه فرك عينيه في إشراقة يوم جديد، بينما المستمر والمخيف والمعضل، هو كل ما يرويه من قصص الآخرين وقصة مدينته التي تجمعهم على شوارعها وأرصفتها وكورنيشها وفي مكاتبها، حيث ينجو منها جميعً، في وقت النوم، الذي غدا أحب الأوقات إلى نفسه.
هل يكره بيروت؟ هل يحبها؟ لا علاقة عاطفية بين "هو" والمدينة، لكنها تلك العلاقة الجدلية الموجودة بين ملايين البشر والأماكن التي يقطنونها، إنهم يشتكون دائمًا من حاضرها ومستقبلها، لكنهم في لحظات كثيرة يشعرون بهذا الشغف الخفيف ببعض تفاصيل عجلة أيامها المكرورة.

شاغلٌ بينهما

قراءتي لروايتي اللوزي في فترة متقاربة، أطلعتني على بعض الأفكار المشتركة بينهما، ويبدو أنها تشغل بال الكاتب، وأبرز تلك الأفكار، المتعلقة بالله والدين ومسألة التخيير والتسيير، والإهداء في فاتحة الرواية كان استكمالا وتوطيدًا لهذا الشاغل. كما  كرر بعض التشبيهات، في سياقات متناظرة. 
ويقتبس الكاتب من جلال الدين الرومي ثلاث مرات، اثنان في مقدمة فصلي الرواية وواحدًا في المتن، وتأويلي أنه جزء من مرحلة يمر بها شباب عرب في السنوات الأربع الأخيرة، أستطيع تسميتها بـ "نزعة مولانا"، ويستطيع أي شخص ملاحظتها في موقع الفيسبوك، علمًا بأن كلامي يظل في سياق الافتراض.
وفي الاقتباس الثالث تحديدًا، أفلت من اللوزي خيط الوعظ، لكنه لا يضر بالصحة، فالشخصية في الرواية معتدة كثيرًا بنفسها وتتحدث عن تفاصيل كثيرة من أجل إظهار إعجابها بما تفكر به، فكان واقعيًا أن تنزلق موعظة ما في حوار عادي بينها وآخر.

نهاية 

الرواية لم تصل نهايتها في الصفحة 137، ولكن في صفحة رقم 128، حين قال "أغمض عيني. لقد تخلصتُ من التعويذة".
هذه النهاية المنطقية لشخص يعرف قيمة عقله، أكثر من كلام المشعوذين، ومُقبلًا على ما يُمكن أن يحدث مستقبلًا، دون خوف من أن تلاحقه "الشياطين" في أحلامه.
ومنطقي أيضًا بالنسبة لـ"هو" لأنه طوال مسار الرواية يحاول فرض خروجه عن روتين العادي والتقليد.
"هو" لم يخضع لما يفرضه المجتمع المتمثل في صورة "غسان" من أمور عليه، وهذا الأمر الواقعي، حيث إلحاح هذا المجتمع على فرض قيمه وجعله من "هو" نسخة عنه، وعدم الرضا بأن يكون مغايرًا، وإن خضع في رواية أخرى، سيكون أمرًا واقعيًا، لكنه غير منطقي، لأن المنطق أن يتبع عقله، والواقع أن يقوده ضغط الآخر إلى الاستسلام.. كم مرةً تخلينا؟ وكم مرةً جعلنا المنطق واقعًا؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفوز لحنان والتهنئة للرئيس!!

في صفحتها الأولى، نشرت صحيفة القدس الفلسطينية، في عددها الصادر، اليوم الثلاثاء، تهنئة للرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء رامي الحمدالله، مقدمة من وزير التربية والتعليم صبري صيدم، أما المناسبة، فهي فوز المعلمة حنان الحروب بلقب "أفضل معلم في العالم لعام 2016" إلى جانب الجائزة المالية وقدرها مليون دولار.

منذ مساء الأحد الماضي، إلى هذه اللحظة، ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي، تتناقل وتتبادل خبر فوز المربية حنان الحروب بهذا اللقب، من وسائل إعلام محلية وعربية ودولية وحتى من صحافة الأعداء، أو الإسرائيليين في رواية أخرى.
كل من المهنئين رأى في حنان نفسه، فالنساء اعتبرنه فوزًا للمرأة ونجاحًا لها، وحتى رجال كثيرون تبادلوا الخبر على أنه دليل انتصار المرأة رغم كل معيقات المجتمع الذكوري الذي نعيش فيه، فيما رأى أبناء مخيمات في فوزها فوزًا لهم، إذ هي ابنة مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين (بيت لحم)، ومديرية تعليم محافظتي رام الله والبيرة رأت في نجاحها نجاحًا لهذه المديرية، حيث تدرس في إحدى المدارس التابعة لها، أما طلبة وخريجي/ات جامعة القدس المفتوحة، فاعتبروه أيضًا فوزًا لهم، لأن حنان كانت يومًا …

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

لماذا أحب هذا الرجل بالذات؟

لم أحظ يومًا بفرصة اختيار "حقيقية" للرجل الذي أحب. دعوني أتناول حياتي كامرأة شرقية مسلمة لا أقارب لها من الرجال غير إخوتها، ثم أرى إن كنتُ "اخترت" بالفعل حين وقعت في الحب سابقًا. درست في مدرسة للبنات (غير مختلطة) منذ الصف الأول حتى الثانوية العامة، أي أنني لا أعرف من الرجال غير إخوتي، وأبي الذي مات وأنا عندي 5 سنوات فقط، وأولاد الجيران الذين شاركتهم اللعب في الحارة حتى الصف الخامس، قبل أن يسحبني أخي من لعبة مختلطة أمام بيتنا ويقول لي "لقد كبرت. عليك أن تتوقفي عن اللعب في الحارة". وغير هؤلاء الأولاد، كان الزملاء والمشاركون معي في عدة نواد صيفية، وكنت طفلة، وسن المدرسة جميعه أعتبره مرحلة طفولة، بما فيه المراهقة. أي أنني في مرحلة بناء نفسي بالتالي لم أتعرّف على صفاتي وقدراتي وما أحب وما لا أحب، والرجل في نظري هو ولد يبتسم لي في طريق المدرسة أو يشغّل أغنية حب حين أمر به، ولا شيء أكثر، لا مشاريع حب لا مشاريع زواج، فعائلتي لا تُزوّج الفتيات في سن الدراسة، والتعليم أمر مهم لنا، بالتالي فكرة "الرجل العريس" لم تكن واردة إطلاقًا. بالطبع فإن العلاقة بيني …