التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"هاتف عمومي".. قراءة مثقلة بالأمنيات


رحمة حجة

في بداية صفحات هذه الرواية، تمنيت لو تحولّها مذيعة جيدة وتملك صوتاً جميلاً، إلى برنامج إذاعي، تماما كما تتحول بعض الروايات إلى أفلام، وكلما اتجهتُ في القراءة إلى منتصفه، تتوطد الفكرة، وترتسم بأن تقتبس تلك المذيعة جميع الحلقات الواردة فيه، وذات المواضيع، ثم تضيف حلقات جديدة بناء على فكر الشخصية في الرواية "هيفاء". أما النهاية.. أحبطتني!

في قراءة رواية "هاتف عمومي" للروائي الفلسطيني عبّاد يحيى، لم أستطع التخلّص من سطوة المكان الذي أعرفه وعشت فيه ثلاثة أعوام ونصف متفرقات: رام الله. 

تمنيت لو لم أكن فلسطينية، كي أتحرر من التأويلات، تأويل "راديو أجيال" وتأويل "البنك العربي" والثالث للمكان الذي قضيت فيه أسوأ أيام حياتي "رام الله التحتا". كانت قراءتها اختباراً لسيطرتي على إسقاطاتي الشخصية، ولكني لم أتحكم بها كثيراً.

أما هيفاء، فقد أحببتها، وتمنيتُ أكثر لو تكون صديقتي، لو أنها امرأة حقيقية، تنشل مسامعنا من الغباء الذي يُسيطر على الأثير الفلسطيني، وفي ذات الوقت لم أتمنّ ذلك، لأن الأحداث التي صاغت شخصيتها كانت حافلة بالأسى والمواقف المريرة.  

فيما عبّاس، أصبح بلا شك أيقونة اللعنة على التكنولوجيا بالنسبة لي، كلمّا دخلتُ بنكاً، وليس البنوك فحسب؛ إذا مثل لي العمّال والموظفين الكثيرين الذين أقصتهم التكنولوجيا لـ"توفير الوقت والجهد" وتركتهم بلا مصدر رزق ليتدبروا أمرهم وحياتهم والقادمة، وحدهم، ونحن لا نعرف هؤلاء العاملين بالضرورة، أساسًا لم أفكر يومًا أن الآلة التي تلفظ الأوراق لترتيب الدور في البنوك، احتلت مكان إنسان، كانت هذه أعظم مهام حياته! 

الكشف عن شخصية الراوي كان بالنسبة لي مفاجأة، ربما لأنني لم أعتد قراءة روايات بقلم ذكر تُحكى على لسان أنثى، والعكس صحيح. لكنّي كنت أتمنى أن أقرأ علاقة الراوية (الصديقة الجديدة لهيفاء) بهيفاء نفسها، أكثر من تلك المقتضبة التي بدت كأنها مجاملة الكاتب لنا، في الأوراق الأخيرة من الرواية.  

العرض المتوازي لحكايتي عبّاس وهيفاء، كان فذاً، تتدرج فيه الأحداث وتصعد تباعًا حتى تلتقي الشخصيتين في النهاية، بمشهد عبقري (احتفال البنك منذ البداية حتى النهاية)، ارتسم في ذهني وتحركت شخوصه في رأسي وخيالي بحذافير الوصف الذي اختاره الكاتب، ووصل ذروته في التشويق الروائي داخل "هاتف عمومي".

الرائع في فكرة "عباس وهيفاء" أن الكاتب يرسم لنا حياتين لشخصين يعملان في نفس المكان، ويخوضان صراعات مختلفة مع ذاتيهما والحياة والمجتمع، ولا يلتقيان في أي من صفحات الرواية، بمعنى أن كلاً منهما يعيش بمعزل عن الآخر دون أن يعلم أحدهما أن القدَر يخطط للقاء أخير بينهما.. هي فلسفة حياتية تتكرر يوميًا وتثير تساؤلاتنا أحيانًا، ولو أردنا روايات مبنية على نفس المبدأ، سنجد حياتنا عامرة بها. أنا شخصيًا حدثت معي قصص مشابهة، كنت أتذكر أنا وأصدقاء نقاطا متشابهة مشيناها سويا دون أن نلتقي، حتى جمعتنا الحياة في لحظة لا يمكن نسيانها، كما لا يُمكن غُفرانها، حين تتحول القصة لزلّة من زلّات القدَر بحقنا!

أما المُحبط في فكرة "هيفاء وعباس" بالنسبة لي، أن ما تحقق في نهايتها كان متوقعاً منذ الصفحات العشر الأولى: رجل وامرأة وحيدان يعملان في مكان واحد. ليس مهمًا ما الظروف التي جعلت منهما "ثنائيًا" في آخر المطاف، لكن الأمر سيغدو أكثر دهشة لو لم تشد هيفاء على يدي عباس وتطلب منه الزواج، ويوافق هو متعبا منتكسا خائباً. ربما لأنني من محبّي النهايات غير المتوقعة. 

لغة الكاتب مذهلة، وفي العبارات التي صاغها على طول مجرى الرواية، فلسفة وآراء مثيرة، وأفكار تحرّك العقل، لهذا لا يمكنك تفويتُ صفحة من صفحات الرواية دون تركيز، لأنك بحاجة لأن تقرأ هذه العبارات.

في نفس الوقت، تدخلات الكاتب (لسان الراوية) كثيرة، ومزعجة أحيانًا، إذ بدا مسيطرا على شخوصه بدرجة كبيرة، ولم يستطع أي منهم الإفلات من أحكامه، وحبي لشخصية هيفاء (60%) منه بسبب الراوية، بسبب وصفها وانحيازها المطلق لها، لا أدري، لكني أميل أكثر لأن تسوقني الأحداث للتأثر بشخص ما في رواية، أكثر من أن يجرّني الكاتب لهذا التأثر.

 أما المهم في هذه الرواية، أن تأثري كان على نحو إيجابي، إذ علّمتني هيفاء، أن تكرار الأمور يوميًا لا يعني "الملل" بالضرورة، بمعنى أن نمل ونصبح مملين في الوقت ذاته. ويوميًا في عملي الجديد، كلما كتبت عبارة تقليدية في الترويج لأحد التقارير والقصص الصحافية عبر "السوشال ميديا" أتذكرّ هيفاء، وأمحو العبارة، لأنني أؤمن بأنني أستطيع ابتكار أخرى جديدة وجاذبة في آن.


تعليقات

‏قال Blogger
eToro صفقات التداول المفتوحة في 227,585,248

حكمة الجموع المتداولون الذين يستخدمون CopyTrader™ من eToro يزيد احتمال أن يحققوا أرباحًا بنسبة 60%

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…