التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أم كلثوم تنفث المالبورو في سجن النقب!





رحمة حجة

ثمّة أخبار وضحايا كُثر، لا ناجين أبدًا في هذا العالم المحشور داخل صندوق الإذاعة. نحاول البحث عمّا يُليّن عناقيد أعصابنا الممتدة بين الرأس والقدمين، لننتقل تلقائيًا للحديث عن الخيارات المُتاحة في السيارة بين الإذاعة و"المسجّل"، وفي غياب الثاني، نظلّ محكومين بصوت الحرب.

ساعة واحدة تفصلنا عن موعد إذاعي مع صوت أم كلثوم، الذي ينبعث في الأثير حين يلفظ المذيع عبارته الدافئة "والآن، تغنينا كوكب الشرق..."، لذا نُمنّي النفس بها، ويصبح حديثنا ذا شجون.

بعض الناس يفضلون الاستماع إلى أم كلثوم وقت الظهيرة، وآخر قبل الغروب، بينما يفضّل ثالث سماعها حين تتلألأ النجوم في قلب الغسق.

أمّا مُحدّثنا اليوم، فتعود به "الست" إلى سجن "النقب" الصحراوي أو كما يحلو للبعض تسميته "أنصار3"، عام 1989، وكان في حينه بمرحلة التأسيس.

يتذكّر مُحدّثنا: "لا راديو أو تلفزيون في السجن، كانت إدارة السجن تمنع عنّا أي شيء سوى قرابة خمس دقائق، هي عُمر موجز الأخبار الذي يُبثُ يوميًا تمام الساعة السادسة والنصف مساء، عبر إذاعة صوت إسرائيل الناطقة بالعربية".

يتلو الموجز "والآن مع أم كلثوم تغني.." ثم ينقطع الصوت، وتشُدّ العبارة البال، إذ تقف كما اللقمة في الحلق، لا تنزل ولا تخرج، كأنها أمنية عالقة بلا سبب. هذا الأمر كان يستفز مشاعر الأسرى، الذين قرروا تقديم طلب لإدارة السجن بالاستماع إلى "كوكب الشرق" يوميًا بعد الموجز، ويُواجَه الطلب بالرفض، ما ردّ عليه الأسرى بإرجاع وجبات الطعام، حتى وافقت الإدارة.

ويصف مُحدّثنا بعض الأسرى أثناء استماعهم لأم كلثوم، قائلًا: "كانوا يجلسون صفًا بجانب بعضهم خارج الخيام، نصف متكئين على ظهور خيامهم، يحملون باليد الأولى سيجارة مالبورو وفي الثانية الولّاعة، ولا يبدأ نفث الدُخان حتى تبدأ أم كلثوم الغناء".

لحظةٌ ثمينة ليس فقط بسبب صوت سيدة الغناء العربي، إنما لأن السيجارة أيضًا كانت ثمينة وقتذاك! وفي ذلك يقول مُحدّثنا: "كان الصليب الأحمر صلتنا بالعالم الخارجي، يحضر مندوبوه سجائر المالبورو كل 14 يومًا للأسرى، حصّة الواحد منّا خمس سجائر"، مشيرًا إلى أنواع السجائر السيئة جدًا التي كانت تُباع داخل السجن، ويذكر أحدها بالاسم "اسكت".

قصّة "الست" لم تنته، إذ صارت منفذًا للعالم والأحلام والذكريات، ومسربًا للحنين، لكن، وفي أحد الأيام، فوجئ الأسرى ببث أغنية "الأولّة في الغرام" لليوم الثاني، ليفسرّوا الأمر على أنه "خطأ إذاعي، أو زلّة مهندس صوت"، لكن الأمر تكرر في اليوم الثالث والرابع والخامس، حينها قرروا التواصل مع الصليب الأحمر لمعرفة السبب، وإذ بإدارة السجن قامت بتسجيل الأغنية، لتبثها يوميًا بعد الموجز! تحوّل صوت أم كلثوم فجأة من طوق نجاة إلى عقاب جماعي يومي، ما أدّى بالأسرى لتقديم طلب بوقف الاستماع إليها!


نشر المقال في : الحياة الجديدة، وطن للأنباء

تعليقات

‏قال Blogger
eToro صفقات التداول المفتوحة في 227,585,248

eToro هي السوق الرائدة للجيل التالي من المتداولين والمستثمرين. بإمكانك تحقيق أرباح مباشرة من خلال التداول عبر الإنترنت وقيادة خمسة ملايين متداول اجتماعي حول العالم، والحصول على الأموال باعتبارك تمثل جيلاً جديداً من مدراء الصناديق عندما ينسخ الآخرون استثماراتك.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…