التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعـبــــُـط !!



رحمة حجة

قد تبدو كلمة "أعبُط" أليفة للبعض الذي يستخدمها وربما الذي سمعها سابقًا، بينما لم تألفها آذانٌ عدة. هل أعرّفها؟ لا أرى داعيًا لذلك. على الأغلب يصبح معناها أوضح حين تتربّع على عرش السياق، سياقها.

إسرائيل للسلطة

في كل خطوة فلسطينية على المستوى الدولي، تهدد إسرائيل السلطة الفلسطينية بمجموعة من العقوبات، منها عدوان على قطاع غزة، أو حملة اجتياحات في الضفة، أو تجميد عائدات الضرائب المستحقة للسلطة وفق اتفاقية باريس الاقتصادية (المقاصّة).

السلطة تستمر في مساعيها متحدية أي تهديد، وممثلون عن القيادة الفلسطينية يؤكدون في تصريحات صحافية "ماضون إلى الأمم المتحدة".. "لدينا إستراتيجية صمود".."الالتفاف الشعبي حول السلطة ضمانة لها".

توقفت أموال "المقاصّة" واقتُطعت بناء عليه أجزاء من رواتب الموظفين، وقالت إسرائيل للسلطة: أعبُطي! وأمام الأوضاع الفلسطينية المتهالكة، والأزمات العربية المتلاحقة، قررت السلطة أن "تعبُط" وتقتنص الفرص من أجل الرواتب، فضاعت بين "حانا ومانا"، وتوسّل هذا وتوسّل ذاك، إلى أن كانت "عاصفة الحزم"، وكان دعم السعودية في غزو اليمن فرصةً "محررزة" لجني المال. ذهبنا إلى القمّة العربية، وساندنا العاصفة، بل وأكثر، طالبنا بعاصفة مماثلة في قطاع غزة، الشيء الذي كان بمثابة "افتح يا سمسم" للسلطة، و"المغارة" المكنوزة للموظفين.

لكن الموظفين حين تتأخر رواتبهم "يعبطون" أيضًا. حيث لا يكفي الجزء لسداد القروض والفواتير الشهرية، ثم تُحال المشكلة إلى البنوك التي "تعبُط" بدورها وتتبع سياسة "الصبر" أو المراكمة.

ولا يتوقف "عبط" السلطة عند الإجراءات هذه فحسب، فإسرائيل تنتهج هذه الإسراتيجية على الأغلب، إذ تصدّر نقمة الجماهير من "عليها" إلى "على السلطة"، كيف؟

على سبيل المثال، لا الحصر، حين يصاب أحد الأسرى أو الأسيرات في سجون الاحتلال، وتتدهور حالته الصحية، تبدأ المطالبات وتترنّح المناشدات في حوض الإعلام المحلي وخارجه، إلى أن تفرج إسرائيل – بعد سنوات- عن الأسير/ة، بعد أن تدرك أن "لا خطر يمكن أن يشكله عليها إذ هو في مرحلة الاحتضار"، حينها "تعبُط" السلطة مسألة علاجه، فيتحوّل البوق الذي كان موجهًا نحو الاحتلال إلى السلطة، التي "تماطل وتؤجل وتعد وتتنكر لوعودها" هؤلاء المرضى، فيسقطون تباعًا شهداء. فهل سمعنا قبلًا عن أسير عولج بعد الإفراج عنه مريضًا متهالكًا جسده؟ ربما نعم، لكن نقولها ونحن نتحرى الاسم في جفاف الذاكرة.

الأستاذ للتلميذ

يشعر الأستاذ أن أيام السنة الدراسية مرت سريعًا، قبل أن يُنهي المنهاج المقرر، فيقوم بــ"سلق" الشرح أو الاكتفاء بـ"سكانينغ" على وريقات الكتاب، ولا ينتظر الإجابة من التلاميذ بعد قوله "هل من سؤال؟"، ليفتح الصفحة التالية.

وفي الامتحان "لا يُكرم المرء أو يُهان" بل "يَعبُط". حيث يضطر إلى الاعتماد الذاتي في الشرح والاستفهام، وإن لم يفعل، أو لم يسمح مستوى استيعابه بذلك، "يَعبُط" أهله بالاستعانة بمدرس خصوصي. أو قد "لا يعبُطون".

المدير للذي يليه

ينتهج بعض مديري ورؤساء المؤسسات واللجان، سواء العامة أو الخاصة على الأغلب في الأولى، سياسة الحديث في كل محفل ومشتل عن المشاريع التنموية التي سيغزون بها البلاد، فتنعشها وتنعش المواطن، في الوقت الذي يكونون مدركين أنهم على شفا الخروج من مناصبهم، إما لأسباب التقاعد، أو انتهاء المدة القانونية لهم، التي ستكون بلا عودة. وقبل الرحيل بعام أو عامين وربما أقل من ذلك بكثير، أي بعد سنوات من الترويج لرؤيتهم اللامعة، يفتتحون كومة من المشاريع معًا، ويرحلون.

نعم، المشاريع جيدة وتنموية ولامعة، لكن من صاحب الفكرة والمخلّد برفقة اسمها إلى الأبد؟ إنه المدير الذي سيرحل. لكن من الذي ســـ"يَعبُط"؟ إنه المدير الذي يليه، الذي أصبح مطالبًا بإتمام ما بدأ سابقه، والسعي حثيثًا لتأمين الموارد والعمال والممولين واتسيترا اتسيترا اتسيترا، ولن يأتي على ذكره أحد، أو فلأكن موضوعية، إلا القليل.
المستأجر/ة للمستأجر/ة


يحين موعد دفع أجرة السكن (بالنسبة للموظفين أو الطلبة، رام الله ونابلس نموذجًا)، فيتأخر أحد المستأجرين، ثم يُماطل، حتى يمتد إلى الشهر التالي، وهكذا. لا فواتير ولا أجرة، لكن صاحب البيت يُلح في طلبه شهريًا إذا ما تأخر القاطنون يومًا أو يومين زيادة عن الموعد المقرر في الاتفاق بين الطرفين. من سـ"يعبُط" هنا؟ إما تنقسم أجرة الواحد على الكل أو يدفعها الذي وقع العقد وأجرّ الباقين، باعتباره الذي يتحمّل المسؤولية. وسيظل "يعبُط" حتى تتقهقر حجج المتأخر أو يختفي، حينها لن يعبط الأول فقط بل ســ"يعكُم"!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…