التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملك وقصي: الأوريغامي حياتنا



رحمة حجة 

هل حاولت يومًا صُنع قارب ورقي في طفولتك؟ هل أعددت لأبنائك أو أطفال يحيطونك قوارب من ورق وسيّرتها في وعاء مملوء بالماء في سياق اللعب بينك وهم؟

الشابّة ملك عفّونة حاولت ذلك في طفولتها البعيدة مرارًا، دون أن تفلح في صنع قارب واحد.

تقول ملك (25 عامًا)  لــ وطن للأنباء، إنها صادفت فن "الأوريغامي" بينما كانت تبحث عبر موقع "يوتيوب"، عن طريقة إعداد السفينة الورقية، إذ قررت أن تكون جزءًا من النشاطات الفنية التي كُلفت بها في أحد المخيمات الصيفية عام 2013، ليصبح في ما بعد مشروع حياتها.

يضيف قصي الصيفي (27 عامًا): نعتمد في نظام حياتنا على الأعمال الحرة (فري لانس) محاولين أن تكون ثقافة الأوريغامي محور حياتنا، تعليم الفن ونشره من جهة، وأن يشكّل لنا دخلاً من جهة أخرى.

ويقوم الزوجان الشابان ملك وقصي بتعليم فن "الأوريغامي" الياباني، الذي يعني حرفيًا "طي الورق"، إضافة إلى بعض الأشغال اليدوية و"الكيريغامي" التي تعني "قص الورق"، في "نادي طي الورق" ومقرّه بيتهما في مدينة رام الله. وهو مفتوح كما يقالان "لتدريب مختلف الفئات العمرية، تبدأ من 5 أعوام".

ويقوم "الأوريغامي" على أسس علمية وقواعد رياضية، فهو "ليس مجرد طي ورق ونوعًا من التسلية" وفق ما تقول ملك، التي تتابع: في اليابان، يقع الأوريغامي ضمن المناهج التعليمية كوسيلة لشرح موضوعات الرياضيات في المدارس، فبدلًا من أن يرى الطفل الشكل المكعب مرسومًا، يصنعه بيده.
مشيرةً إلى أن فن "الأوريغامي" مبنيّ على ثنيتين رئيستين هما: جبل ووادٍ. وتنشأ الأشكال المختلفة نتيجة التفاوت في الترتيب والتكرار بينهما.

ويقدم الزوجان الشابان، نموذجًا للتعلّم الذاتي لفن لم يمض على تعرفهما إليه أكثر من عامين، الشيء الذي يظهر في الأشكال مختلفة من سهلها إلى صعبها، المعلقة على جدران البيت. وفي ذلك يقول قصي "هناك نظرية تقول، إن أي شيء في العالم يمكن تحويله لأوريغامي".
ويعملان حاضرًا على تحويل أشكال "الأوريغامي" لفن التطريز الفلسطيني، سيّما أن لديهما تجربة في التطريز.


لماذا "الأوريغامي"؟

تقول ملَك، إن البيئة الفلسطينية تفتقر لحس الإنتاج بشكل عام، مردفةً "حين تمسكين الورقة وتقومين بإنتاج شيء منها بغض النظر عن مدى بساطته، ستدركين أنك قادرة على صناعة شيء، بخاصة وأنت تلحظين بيديك مراحل تحول الورقة إلى شيء مختلف تمامًا".

وتكمل بشَغف "كما ينمو لديك الحس النقدي تجاه الأشياء، وتتعلمين مهارات التفكير المختلفة التي تمكّنك من التعامل مع مختلف جوانب حياتك. بالتالي هدفنا مجتمعي".

وعن تأثير تعلم "الأوريغامي" على حياة الفرد، تقول ملك إنه "يعطيه أدوات تفيده في مجالات أخرى، حتى لو تعلمه لفترة قصيرة وترك"، موضحة: في الأوريغامي قواعد وخطوات ولُغة، تدفعك للبحث الذاتي عن المعلومة، التي ستظل إلى جانبك مستقبلًا؛ فالواقع متغير ومتطور باستمرار ولا يصلح للاكتفاء بعدد من المهارات للتفاهم معه، وتمكننا من حل مشاكلنا دون انتظار الغير.

في ذات الشأن، يقول قصي لـ وطن للأنباء "على المستوى الشخصي، يرفع تعلم الأوريغامي منسوب الثقة في النفس ويقضي على شعور الاكتئاب، ويحقق السلام الداخلي. وهو من الأشياء النادرة التي تحفز العمل لدى الدماغ بشقيه الأيمن والأيسر معًا".

وفيما يمسك قصي كرة ورقية متحركة مرنة، يحدثنا عن طريقة تفاعل الأطفال مع هذا الفن "90% من الأطفال الذين نلتقيهم داخل وخارج النادي يتفاعلون ببساطة مع الأوريغامي، بينما يعتمد قياس الأثر على المدة التي يقضيها أحد الطلبة في التعلّم".

ويتابع: في البداية يتبّع الأطفال تعليماتنا، ثم يحاولون تشكيل شيء جديد بمفردهم. والأطفال من ذوي العلامات المتدنيّة في المدرسة، أولئك الذين يتعرضون لعبارات مثل (أنت فاشل)، عندما يتعلمون الأوريغامي تنتابهم سعادة وثقة بإتقانهم شيئًا ما.


أنشطة واستخدامات

ويستخدم "الأوريغامي" في علاج النشاط المفرط للأطفال ومرضى التوحد منهم. وفي بعض الأشكال لمنح ظل ملون مع المصابيح الكهربائية، وأخرى للزينة، إضافة إلى صناعة علب للمحارم والأقلام والألوان والإكسسوارات.

ولأن المادة الورقية تتأثر تتلف مع الزمن، تم ابتكار مادة تُرَش على الأشكال بعد إنهائها فتبدو كأنها غلاف زجاجي رقيق يطيل عمرها.

ويسعى الزوجان إلى تنفيذ مشروع "أوريغامي" خاص بالمدارس الحكومية في مختلف أنحاء الضفة، بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم، سيّما أنهما قدما تجربتهما في نحو 10 مدارس داخل رام الله تطوّعًا.

كما يعملان مع المؤسسات التي تعنى بنشاطات الأطفال أو ذات الطابع الاجتماعي التي تستهدف الفئات المهمّشة، أحيانًا بمقابل مادّي، وأخرى تطوّعًا.

"الجديد مخيف"

ومن المفارقات التي حدثت مع قصي وملك، أنهما فوجئا يومًا بوصول طرد من أوراق "الأوريغامي" عبر البريد، مبعوثة من جهة يابانية، أخبرتهما في رسالتها أنها استدلّت إليهما من خلال صفحتهما الخاصة في موقع "فيسبوك"، بينما البيئة المحلية، وفق ما يقول قصي "غير حاضنة للإبداع ومعادية، سواء من المجتمع أو الجهات الرسمية، ويتم قدر الإمكان تهميشنا. كأن البلد لا تريد تجربة كهذه".

تقول ملك لــ وطن للأنباء: أشعر بوجود خوف من الجديد. يُقبل الناس على دورة فنون يدوية تقليدية أو تطريز، ربما وفق مبدأ (اللي بنعرفه أحسن من اللي بنعرفوش).


إلى ما تطمحين؟ تقول ملك: المستقبل غامض. لا أستطيع وضع تصوّر لما أريد. لكني أنظر إلى ما هو بين يدي حاليًا وأعمل عليه، لكني أحب أن تتوسع التجربة وتنجح. نحن لا ننتظر مالًا للتحرك، ومقياس النجاح لدينا هو التأثير الاجتماعي، وإذا ما حصل ذلك ستمثل تجربتنا نموذجًا للكثير من المحبطين من العمل الذاتي والبدء من الصفر هنا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…