التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيقولون: ملحدٌ وخائن.. هل ستتخلّى عن رأيك؟




رحمة حجة

في النقاشات الخاصة المحدودة جدًا، أو حتى بيننا وأنفسنا، لا نُبقي ولا نذر من آرائنا حول أي قضية أو مشروع بارز في البلاد، لكن ما إن ندخل الحيّز العام، ونستمع إلى رأي الغالبية، حتى نتقهقر صامتين، أو نتقدّم مؤيدين، حتى لو كنّا من الداخل نقف ضدها.

في عملي الصحافي، وملاحظاتي في التدقيق اللغوي، كنت حين أقول عن كلمة "يجب أن نتجنبها فهي خطأ شائع لكنها ليست صحيحة"، يطالعني بسرعة أحد الزملاء بالقول "خطأ مطروق خيرٌ من صحيح متروك"، باعتبارها قاعدة أو ربما مبدأ صحافي ساري المفعول، وحينها إما أقنعهم فيأخذون بكلمتي أو يقنعونني فأستغني عن "المتروك".

لكنّي بتّ ألاحظ أن هذه القاعدة وفق مُريديها، ليست سارية المفعول فقط في الصحافة، إنها أساس اجتماعي وسياسي حتى أكاد الجزم أنها إحدى البنى الثقافية التي يسير وفقها الشارع الفلسطيني، وأتحدث عن فلسطين هنا، لأنني قضيتُ سنيني الثلاثين فيها، وأدّعي أنني راكمتُ عبر تجربتي في الحياة بعض وقائع تقدّم ولاءها لتلك "القاعدة".

على سبيل المثال، من يستطيع أن يقول لإمام الجامع "لم يحدث كذا بل كذا أمام الملأ أو ربما بمحادثة جانبية بينهما؟" في حين أن الكلّ منصتٌ للإمام ومسلّمٌ أمرَه له.

يقول أحد الأصدقاء: "أعرف إمامًا كان يحرّض الرجال كلّ جمعة على زوجاتهم، ويربط اختلاف الرأي بين الزوجين بالشرف والفتنة في المجتمع وطاعة رب البيت، حتى إذا ما عاد الأزواج إلى زوجاتهم بدؤوا سنّ قوانين جديدة تتعلق بالأسرة تؤدي في كثير من الأحيان إلى مشادّات وربما انزواء الأفراد بعيدًا عن طاولة الطعام، تلك التي تجمع الأسرة كاملة في هذا اليوم فقط".

وأعرف عديدًا من السياسيين المنتسبين أو بالأحرى المنتمين لأحزاب متنوعة في البلاد، لا يوافقون الأسير خضر عدنان في إضرابه الأول كما لم يوافقوه في الثاني، ولم يوافقوا نظراءه من الأسرى الذين خاضوا إضرابات فردية، ورأوا أنها "تضرّ الأسرى أكثر ما تنفعهم"، لكنهم أمام الكاميرات وعبر تصريحاتهم في صفحات التواصل الاجتماعي، يرددون ذات العبارات التي نسمعها يوميًا التي لا تخلو من كلمات "الصمود والتحدي والشجاعة والكرامة" وجلد الذات التي لا تستطيع فعل شيء لمساعدة الأسير المضرب، دون أي اعتبار لرأيهم الشخصي.
في هذه الحالة هل من مصلحة الخاص أن يذوب في العام؟

هل سنشهد بعد سنوات نقدًا ذاتيًا لهذه التجارب كما حدث مع اتفاق أوسلو حين قالت الغالبية "نعم" وتم تذويب الرأي المختلف الذي رأى في ما بعد فرصته في النيل من هذا الاتفاق بعد معايشة تبعاته على الأرض؟ أو كما جرى في إعادة النظر بإعدام "العملاء" والتمثيل بهم وسحلهم في الشوارع العامة في الانتفاضة الأولى، التي لا يصلنا من تاريخها إلا عبارة "كانوا الناس لبعض وكان في تكافل اجتماعي مش متل اليوم"؟

وذات الأمر كان يحدث ولا يزال يحدث في التعامل مع مسألة المقاومة وقيادة حماس لقطاع غزة وفصائل المقاومة أثناء كل حرب تشنّها قوات الاحتلال الإسرائيلي على القطاع. إذ صارت المقاومة -فجأة- إلهًا ولا يستطيع أحدٌ نقدها أو الوقوف عندها، فتجد الغالبية تمجّد وتُحمّد لأنها لا تتعرض فقط للغزو الإسرائيلي في تلك اللحظة، بل أيضًا للغزو الإعلامي المحلي الذي يصوّر بطولة وأمجاد المقاومة وفي نفس الوقت فظاعة الجرائم التي ارتُكبت بحق العائلات في غزة، ففعليًا ووفق المنطق العام، حين تشاهد صور المقطعة أطرافهم ستكون بالضرورة مع أخيك ظالمًا أو مظلومًا.

وعلى هذا الأمر قس/يسي في الحياة اليومية، التي تُنتج بدورها هذه الثقافة؟

وببساطة نستطيع إيجاد هذه الثقافة بشكل فاضح في الفضاء الإعلامي الجديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فحين تُشاهد أكثر من مئة نقرة إعجاب أو تعقيب مادح لمنشور عند أحد الأصدقاء سواء كان نصًا أو صورة أو فيديو، تفكر مليًا في التعبير عن رأيك المخالف، لتقرر في حالات كثيرة ألا تتدخل وتمر عنه، أو تضيف إلى رصيد الإعجاب واحدًا. وإذا ما كان الأمر مستفزًا لك للغاية ولم تستطع فعل شيء، تذهب إلى صفحتك الخاصّة وترمي بمنشور ساخر أو ناقد للأول.

أحاول إذًا البحث عن سبب واضح لاستمرار هذه الثقافة، لأصل إلى أن المنطق الاجتماعي السائد، بأن كل مخالِف سيُواجَه بتهمة، فالذي ينتقد الدين أو ممثليه في المساجد "متهمٌ بالتفكير والإلحاد"، ومن ينتقد مقاومة حماس والأعمال الفردية في قتل الجنود ودهس المستوطنين والإضراب عن الطعام، تهمته الجاهزة أنه "جاسوس وخائن"، أما التهمة الأخيرة الموجهة لمن يدعون إلى تحرر المرأة وضد الذين يروجون دائمًا أن سبب التحرش هو "لباسها الفاضح"، ستكون بالتأكيد أنه "داعية للانحلال والانفلات الأخلاقي في المجتمع"، بينما رأيك الحقيقي في أعمال وأقوال أصدقائك أمام المادحين سُواجه بتهمة "الغيرة"، لذا هل من أحد مستعد لقول رأيه وتحمّل تهمة "الإلحاد والخيانة والانحلال والغيرة"؟

(تمثل هذه النسخة المحدّثة من مقال نُشر سالفًا في موقعي وطن و24FM)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

القُبلة الأخيرة لرائد الحردان

رحمة حجة

"كلنا أجيال بلا ذاكرة، نظن أن التاريخ يبدأ من هنا." (ص246) "وأنا كنتُ بحاجة لأن أستمع، وأستمع، لأن أصدّق أن نصف عمري كان شيئًا حقيقيًا، ارتبطت به هذه المدينة (بيت لحم) وتفاصيلها، درست في جامعتها، وسجلَت جدرانها همسات حبنا أنا وسميرة، وأمضيتُ طفولتي بين أزقتها وسوقها وسينماتها، ونفذت عملًا نضاليًا في شوارعها، وها أنا أعثر على واحد من زمني، أنا شاهد على زمنه، وهو دليل زمني." (ص247) بين العبارة الأولى والفقرة الثانية، تتلخص رواية "قبلة بيت لحم الأخيرة"، فالذاكرة هي كل ما سبق لحظة لقاء رائد الحردان بحب حياته سميرة، بعد خروجه من السجن الذي قضى فيه 20 عامًا. أسمته والدته حنّا تيمنًا بجد الراهب الذي عمّده في كنيسة المهد، لاعتقادها بأنها تحميه من شرّ قرينته، وعن ذلك يقول رائد "كنت في المدرسة نهارًا حنّا وبعد الظهر في البيت والحارة والسوق رائد، في أحيان كثيرة لم أعرف متى أكون حنّا الحردان؟ ومتى أكون رائد الحردان؟"، وفي زمن التحولات ندمت الأم لأن شيخة أفتت لها بحرمة هذا العمل، ويتقاطع هذا مع حوار رائد مع صديق مسيحي، بعد تحرره أو ربما دخوله سجنًا آخر …