التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بكسر الضّاد: حاضر


قصة قصيرة

رحمة حجة

"قضيتُ عُمرًا أحلُم بباقة ورد كي تأتي أنت وتهديني اللانجري؟"، صرخت في جوفها عندما قال لها شاب تعرّفت به منذ أشهر قليلة، بعد قُبلتهما الأولى "أريدك أن ترتدي لي كل ما أريد من اللانجري، أنا سأشتريها لك بنفسي"! ماذا ستقول له خارج جوفها المغلق بخوف فقده؟ لم تقل شيئًا.

صمتٌ لدقائق بينهما. "كما تريد"، قالت، وابتسم. يقبّل يدها قبل أن يتركها على رصيفٍ في إحدى المدن العتيقة، كي لا يشاهدها أحد من معارفها. وتجري سريعًا، مع رائحة عطره العالقة في قميصها، تعبقها بعمق، وتشعر أن المارّة جميعهم، أولئك المحدقين بها، يدركون الذكورة في نسيمها العابر.

تصعد سميّة في التاكسي "دوّار ابن رشد لو سمحت"، وتعود إلى بيتها مشوشة التفكير، مسترجعة الطريق التي أدّت بها إلى هناك.. إلى الوجبات السريعة في الحب والتسليم لكل ما يقوله الرجل الذي يقول إنه "يحبها". هي تعرف أنه لا يحبها، إنما يشتهيها فقط. هي واحدة من كثيرات مرّ وسيمرّ بهن في مسيرته نحو "الهداية"، كما أغلبية الذكور في بلادها. مع ذلك، هي لا ترفض شيئًا.

نسيت سميّة كلمة "لا"، لقد أصبحت "نعم" - "حاضر" - "أوك" - "ولا يهمك"، لغة راسخة في معجمها الجديد النافذ في كل المجالات.

باتت لا تعترض على كلام أمها أو أبيها، إذا ما طلبا منها شيئًا لم ترده سابقًا، كالحفاظ على وجودها في جميع المناسبات الاجتماعية. كما لا تقول "لا" للمدير الذي يطلب منها مهام إضافية كل يوم، ويهددها في حال الرفض بإنهاء عقد عملها، الشيء الذي لا تريده بالطبع وهي ترى أمامها أفواج العاطلين عن العمل الذين يترصّدون أيّ فرصة سانحة، وسميّة أيضًا أعادت علاقاتها بصديقات وأصدقاء طالما أرّقوها بتصرفاتهم/ن الغريبة في النميمة والتآمر عليها، فقط كي لا تبقى وحيدة أو يُقال عنها حتى، أنها وحيدة. هي تريد الآن أي شيء ولا مقابل لديها سوى "نعم"، وعدد هائل من المجاملات التي أصبحت نهجها، ولشدّة ما تعتمده مع الناس صدّقت أنهم كما تقول لهم

يهاتفها حسام ليلًا "متى سألتقيك غدًا؟" ترد: "الساعة الخامسة مناسب لي.."
- لا، أريد رؤيتك في وقت متأخر، العاشرة مثلًا؟
- ممممم تعرف صعوبة الأمر
يمدّ صوته بعتَب: سميّــــــــــــــــة!!
- أوكي، سأتدبّر الأمر 

في بداية علاقتها معه، ظنت أنها ستعيش حبًا جديدًا يُسليها كل من خدعوها من قبل بكلماتهم المعسولة ثم غادروها بلا سبب، أو غادرتهم حين علمت أنهم غير جادّين في العلاقة. ظنّت كذلك، أنها ستجد معه ما افتقدته سابقًا في حياتها، ولا تزال تفتقده، إنه الأمان. فحسام قبل اقترابها منه، كان هذا الرجل الشهم، الواثق من نفسه، الكريم، ذا الابتسامة الساحرة والكلمة الحنونة والعقل المنفتح المتفهم، لدرجة أن الاقتراب منه أشبه بالحلم. 

وفي أول محادثة معه، لم تصدق سمية نفسها، إذ كانت لحظة مشتهاة، وأمنية بعيدة المنال. لكن الخرافة تظلّ خرافة حتى نلمسها بأيدينا، وهذا ما حصل معها، حين انفجرت فقاعة الحلم وفضحت الواقع الموازي لكل ما جرّبته، ولم يكن أفضل من أولئك الرجال الذين يستغلّون مشاعر المرأة ووحدتها لينالوا منها ما استطاعوا، حتى إذا قالت "لا" لا يقولون "ابقِ" بل "يعجبهم الفراق". ولم لا، فهذا العالم مليء بالنساء الوحيدات الجميلات الخائب أملهن في الحب، بالأحرى، اللواتي اقتنعن أخيرًا بأن الحب كذبة، تمامًا كالأمان.

تبتسم دامعة أمام رسالة حسام الأخيرة "ستكونين لي وحدي غدًا وكلّي لك. أحبك". وتغطّ في النوم لا تغادرها الفكرة "لا ضير ما دام يشبه الجميع والجميع يشبهه، المحظوظات فقط هنّ من يجدن حبيبًا وزوجًا وحضنًا آمنًا.. المحظوظات فقط، وهو قدَري.. هوَ قَـ دَ رِ ي".





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…