التخطي إلى المحتوى الرئيسي

يوم في البتراء برفقة النبطي



 رحمة حجة

البتراء كانت حلمًا، كما النبطي الذي ظلّ هاجسًا يُراودُ  ماريّة حتى آخر نقطة في رواية يوسف زيدان، في الالتفاتة الأخيرة لها للمكان الذي لم يغادره، وغادره السكان، خوفًا من حرب المعتقدات.
صارت مملكة القوافل واقعًا، وفي أولّ زيارة لها عثرتُ على النبطي الحلم، الذي ضيّعته يا ماريّة بترددك وخوفك.
السادسة والنصف فجرًا، كان موعدُنا.. أيقظَته رغبته ببعض الصور الجديدة، وأيقظني الشغف للدهشة، والانبهار الأول بالمكان الذي سأطؤه للمرة الأولى في حياتي، وكنتُ عشقته في كتب التاريخ، وأسطورة اللون الوردي والدراما الأردنية وصورة الخزنة في غلاف كتاب اللغة الإنجليزية التي رافقتني أعوامًا عديدة في المدرسة. 
"لا أقرأ أي شيء بالعربية.. لا أحب الروايات العربية إطلاقًا.. لا أحب التقاط الصور للأشخاص.. لا أستطيع إعارة أي من عدسات الكاميرا خاصّتي لأحد.. أقرأ فقط الكتب العلمية باللغة الإنجليزية وأحب أفلام الخيال العلمي ولا أميل للواقعية" لاءات عدة قالها النبطي في أول حديث بيننا، أرعبتني من فكرة هذا اليوم الذي سنقضيه معًا في اكتشاف المدينة الوردية، وربما تجعلنا أقرب إلى الصمت طيلة الوقت حيث لا اهتمامات مشتركة بيننا، فأبقى مع صديقة أخرى من المجموعة التي كنّا برفقتها.
كنا نسير داخل السيق، وكلما قلّ عرض الطريق، ينحسرُ الكلام، كما تنحسر المسافة بين عقلينا، إذ تفككها زوايا الصور، التي نشترك -على الأقل- في البحث عنها.
وفي المسافة التي سرناها على الأقدام، كان القلب يتربّص بالخزنة.. أول الحب وأولّ الذهول، والعرَباتُ التي يقودها سكان من المنطقة ارتدوا لباسها القديم، تمشي ذهابًا وإيابًا، كما يأتي السياح دفعات وفرادى، ينتشر بينهم الباعة المتجولون من الأطفال الذين يروّجون لصورهم ويتحدث بعضهم اللغة الإنجليزية، وعلى جنبينا قنوات جرّ المياه في هندسة عريقة. 
"ها نحن نقترب"، يقول النبطي، والفرحة أقرب إلى قلبي. أنتشي بالمشهد، وآخذ النفَس الأهم.. الآن أشعر أنني في البتراء، فها هي الخزنة تنكشف أمامنا بوقار، والكل من حولها يحمل كاميرته لالتقاط اللحظة الحلم، كما تبرك الإبل المزركشة قربها، وتتوقف بعض العربات إلى جانب معتمري الكوفية الأردنية من السكان والزوّار.
وقبل اجتياز الخطوة الفاصلة بين نهاية السيق وأول محيط الخزنة، وقف النبطي وقال "من هنا تُؤخذ الصور عادة، الشيء الذي يفعله الجميع، ولا أبحثه أنا اليوم.. ابحثي عن زاويتك المغايرة"، يأتي ردّي باسمًا "إذًا هذا أول درس في التصوير"، يبتسم بصمت.
يراقبني في التقاط بعض الصور التي أسعى بيني ونفسي لتنال إعجابه، وحين أنتهي يطلب رؤيتها، فأتردد خوف أن تكون غبية من وجهة نظره، يسألني "ما العبرة من هذه الصورة؟ أين الفن فيها؟"، أَشرح له بعض فلسفتي، يظل صامتًا بنظرة باهتة تشي باستهتاره، ثم أضحك..
بعض السياح تحدثوا إلينا، على الأغلب هم صينيون أو كورويون أو يابانيون .. هههههه.. لا أعرف، لكن شكل عيونهم يخبر بأنهم من إحدى تلك الدول! المهم طلبوا إلينا تصويرهم، ثم فجأة صاروا يلتقطون الصور، تارة لي وحدي وتارة للنبطي، حتى أوعز أحدهم إلينا بالاقتراب من بعضنا لالتقاط صورة لنا معًا، ضحكتُ وابتسم، فسرّت الفكرة غيره، وصارت صورتنا في كاميراتهم.. أعجبتني البساطة في التعامل بيننا والناس، ربما هذا هو المعنى الأجمل للسياحة. 
أخيرًا ندخل الساحة المحيطة بالخزنة، ونبدأ التقاط الصور. أستعير إحدى عدساته، وأثناء تبديلها مع عدسة كاميرتي ينبّهني إلى الطريقة المثلى في التبديل، وليس ما أفعله عادةً، أصدّق نصيحته، فهو لم يحفظها من أجل اختبار في اليوم التالي لامتحان مساق "التصوير الفوتوغرافي"، إنما عبر التعلم الذاتي من الكتب والإنترنت والتجربة والخطأ، بعيدًا عن عمله ودراسته.
"تخبرينني عن فلسطين وأجيبك عن أي سؤال في التصوير أو أعينك في أي صورة تريدينها"، يقول النبطي، وأجيبه "لن تجد أفضل مني في إخبارك عنها ههههه".
- إذًا، اتفقنا.
وبعد ذلك، يسقط خيار اللجوء إلى صديقة في المجموعة، لأننا وجدنا شيئًا يمكنه قتل الوقت إلى جانب الاستمتاع بجاذبية البتراء.
النبطي الذي عثرتُه، يا ماريّة، له حكمته أيضًا. هو يعرف المكان لأنه زاره تكرارًا، كما يعلم أنواع الصخور الموجودة فيه، ودلالات ألوانها بحكم دراسته وفضوله، لا صوت لضحكته كما لا معنى واضحًا في ما تقوله عيناه. إنه كما السر في موطن الأحجار الكريمة المنتشرة على جميع البسطات هنا، الذي يعرفه أصحابها ولا يبوحه أيّ منهم.
وفي درس آخر من دروس التصوير، تذكرت صديقة قالت لي بينما كنا نلتقط صورة لبعض التحف المعلقة على أحد جدران عكا القديمة "أحب الصور المستقيمة وأسعى لذلك دومًا"، فالنبطي مثلها، لكني يومها لم أدرك فقدي للاستقامة في صوري، حيث خدعتني عيني مرارًا لأكون بغنىً عن سؤال صديقتي. النبطي دلّني على طريقة سهلة آخذ بها الاستقامة قبل التقاط الصورة، وأدرك الفرق بينها والأخريات.
نسير على رمل البتراء بعد الخزنة، وكل ما حولنا يقول "مش حتقدر تغمّض عينيك"، فكل إغماضة فقدٌ لهذا الجمال، عن يمين وعن شمال، نمرّ عن شارع الواجهات، والمسرح شمالًا، وإلى اليمين، قبر الجرة (المحكمة)، مدفن الحرير، القبر الكورنثي، قبر رينيسانس، قبر القصر، مدفن سكستوس فلورنتينوس.
وينتشر الباعة بشكل أكثر كثافة يسارًا، داخل أكشاك أو على البسطات،  تستطيع الباحثة عن حلي فضيّة إيجاد الشيء النادر هنا، كما تجده في الاستراحات التي يتوقف عندها الباص في طريقي الذهاب والإياب. 
نصعد المرتفعات من الأماكن، وندخل المقابر، ونتحدث مع الباعة الذين يرتدون جميعهم الأزياء التقليدية، ونلتقط الصور.. ونمشي ونمشي، نرتاح قليلًا فنأكل ما يسدّ الجوع، ونتحدث بما يشفي فضول العقل، ولا نتعب، لكن الساعة تقترب من موعد عودة الباص.. فنعود قبل أن نرى جميع معالم البتراء، ليتجلّى اللون الوردي أخيرًا في ساعات المساء الأولى، الشيء الذي لم يبد واضحًا في الصباح، فكلما اقتربت الشمس من المغيب، مالت الصخور أكثر إلى الوردي.
 أقول "لا يليق بالبتراء الرحيل باكرًا.. يجب أن يقضي المر فيها يومًا كاملًا"، فترد صديقة في المجموعة "بالطبع، لذلك ينظمون فيها رحلات التخييم إلى جانب وادي رم".
وإذ وصلنا باكرًا، لا يزال هناك متسع للصور، فيقترح علي النبطي بعض الوقفات لصور تذكارية، أبتسم "من حظي أنك صرت تصوّر الأشخاص"، فيكمل ونراها جميعها، ونضحك على الحمقاء منها.. ونجتاز البدايات، وفي العودة نتنبّه أكثر قبل السيق إلى قبر المسلات والسد يمينًا، لنلتقط مرة أخرى عديد الصور.
انتهت الرحلة، ومعظم من في المجموعة ناموا، كما أنّي غفوت، لكن يومنا لم ينته، حيث ارتأينا ختامه في أمسيات عمّان، وهو مكاني المفضل في وسط البلد، دون أن نتعب من المسير، ليجرّب النبطي معنا "الشاورما"، على أنغام العود لعازف في المطعم أرهقه الغناء قليلًا، فاستراح تاركًا صباح فخري يغني القدود الحلبية عبر المذياع.  







تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…