التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بالصور... سيلفي على سطح "المهد"



رحمة حجة


ليست هذه المرة الأولى التي أزور فيها بيت لحم (جنوب القدس)، لكنها الأجمل.

"إلى باب الزقاق لو سمحت" قلتُ لسائق التاكسي، كما أرشدني صديقي الجديد محمد، الذي كان ينتظرني هناك، حيث مفترق طرق، يؤدي يمينه إلى بيت جالا، ويساره إلى بيت لحم، فيكون هدفنا أولًا اليمين.

قبل دخول بيت جالا (شمال غرب بيت لحم) كنت أظن بينها وبيت لحم مسافة كالتي تفصل بين أي مدينتين، لكني عند "باب الزقاق" تذكرت قصّة رام الله والبيرة، المتداخلتين في شوارعهما ومبانيهما، لكن تفصلهما المسميات الإدارية وتاريخ اجتماعي مثير للجدل وبعض "الشوفينية".

وفق إحدى المقالات المنشورة إلكترونيًا، تعود تسمية "بيت جالا" إلى اللغة الآرامية، وتعني "أرض العشب والزهور والمراعي" لكن هذه الأرض الآن، مكسوّ بعضها بالمباني، وبعضها الآخر تستولي عليه سلطة الاحتلال الإسرائيلي فتمنع المراعي عن عشبه وزهوره!.

دخول بيت جالا كان جميلًا، والتمشي بين شوارعها التي تمتد إلى كنائس عديدة وأشجار باسقة، أدخل بعض الطمأنينة إلى نفسي، إضافة لكونه مشروعًا لصور عديدة، تلك التي استكملتها بعد الصعود إلى سطح مبنى "قريتي" للإعلام، التي كانت هدف الزيارة.

وبرفقة محمد من الخليل، لم أكن أنا التي قدمت من جنين عبر رام الله غريبة عن بيت جالا أو بيت لحم، أو شوارعهما المتداخلة، كان يكفي الأول أن يعمل بها أعوامًا قليلة حتى يعرف شوارعها وحاراتها ويردد عليه الباعة في السوق القديم التحايا، ليصبح جزءًا منها، حتى لا تكاد تميز من أين هو، ربما هذا ما يفعله فينا حبنا لفلسطين الذي ننساه أحيانًا ونتذكره جيدًا حين يُطلب منّا الحديث عنها.

ها نحن نتوجه إلى "يسار الزقاق" لتلاقينا بيت لحم في "ساحة السينما" ببائعات الثمار الموسمية من النساء، والمحال المكتظة بالبضائع والشارع العريض الذي يضيق شيئًا فشيئًا كلما اقتربنا أكثر من ساحة كنيسة المهد، وفي الطريق أرى أول موطئ قدم لي في بيت لحم قبل نحو خمسة أعوام "Star Hotel" القريب من جامعتها حميمية المباني، كما أتذكرها.

كم تبدو الأماكن سهلة وقريبة حين نطؤها مجددًا، وكم نحن تائهون في زياراتنا الأولى لأي مقصد، هذه المفارقة التي تضحكني كلما عدت لمكان بعد توهان أول فيه، أتفحص فيه عثراتي..

هذا الاتساع لساحة المهد، مازال مدهشًا كما أول مرة، يدفع التفكير نحو دوران الفرح للجسد، والابتسام بعنف أمام لحظات سعيدة تختزلها صور وصور كثيرة.

ندخل الكنيسة، لكن ليس من ذات الباب الذي دخلته أول مرة، ويعجبني هذا التغيير الطفيف، حيث المجال لدهشة جديدة، لكن قبل ذلك يقول محمد "تعالي لأريك مستوطنة أبو غنيم"، ننزل الدرج الذي يقع شمال المدخل، ليؤشر بيده نحو المستوطنة التي تكتم أنفاس القدس، ثم يؤشر نحو مباني القدس بلهفة رافقته كلمّا أشرّ نحوها في جولتنا، ليذكرني بصديقتي يافا التي قالت لي حين زرتها في مكتبها قبل ست سنوات تقريبًا "أنا محظوظة بهذه النافذة حيث أرى منها القدس" وتؤشر لي بذات اللهفة.

ندخل إلى الكنيسة التي شهدت ولادة المسيح عيسى ابن مريم، وفق روايات دينية، وهذه المرة كلّي أمل بصور أجمل من السابقة للجزئيات الجميلة فيها، التي تمتد مئات الأعوام.

وهذه "المئات" من الأعوام بدأت تظهر في سقف الكنيسة وجدرانها، من تصدعات وانهيارات خفيفة، ما استدعى ترميمها، في عملية هي الأولى منذ القرن السادس عشر، وفق ما أخبرنا المهندس عيسى مرّة، وهو جزء من الطاقم المحلي المشرف على العملية، التي وصفها بـ"الترميم الحقيقي".

ويشرح مرّة الذي سمح لنا بالصعود إلى سطح الكنيسة والدخول إلى أعمال الترميم، مميزات الأدوات المستخدمة في هذا المشروع الممول من جهات غالبيتها إيطالية.

فألواح الرصاص القديمة التي اهترأت مع مرور الزمن تستبدل حاليًا بألواح جديدة بأيدي فلسطينية وإيطالية وتبادل خبرات في الترميم الذي يصلح دون ملامح حداثية، حيث يظلّ وجه الزمن حاضرًا قدر الإمكان في المكان.

وعليه أيضًا، كما يضيف المهندس مرّة، يعود الخشب القادم من إيطاليا، إلى القرن الثامن عشر، حيث يمثل أقرب شكل للخشب الموجود في الكنيسة.

وعن الترميم يقول مرّة: عام 2010 أعددنا دراسة كاملة شاملة عن الكنيسة، وبناء عليها نقوم بالترميم الحالي، والمشروع متابع من قبل منظمة اليونسكو التي تطلع عليه من خلال تقرير سنوي.

ومن المفترض أن ينتهي ترميم السطح في شباط/ فبراير المقبل، أما الخطة ب، وفق مرة، فهي تنفيذ سقف مستعار يأخذ بعين الاعتبار العوامل العديدة للشتاء المقبل، من أجل ضمان حماية الكنيسة منها. ويتكون السقف من طبقتي عزل، حماية أولى وثانية، فكل مشاكل الكنيسة تعود إلى تسرّب المياه، التي أثرت على الخشب واللوحات الفنية.

هذا السقف، كنت قبل قليل في داخله، لا، أنا كنت في جوف حضارة كاملة عمرها قرون، أنظر إلى بيت لحم بطريقة مختلفة، كأن عينيّ منارة تجوب الأنحاء لتصبح الصورة كاملة، وألتقط -مع ابتسامة- صورة #سيلفي للذكرى.

بعد التجوال كان لا بد من "ساندويش" فلافل، من مطعم "أفتيم اليافاوي" الذي يقع منذ عام 1948 على يمين الطريق بالنسبة للخارج من الكنيسة، مقابل محل النثريات التي تحمل مدلولات مسيحية وأخرى تتعلق ببيت لحم نفسها، تعرض نفسها بفخر للسوّاح والمارقين، وليس أشهى من الفلافل الذي صنع بابتسامة صاحب المطعم، وتناولناه على طاولة بين مقتنيات أثرية تعود عشرات السنين بنا إلى الوراء، إلى الوراء الجميل، قبل احتلال البلاد.






























 

 

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…