التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"رام الله الشقراء".. أن تخلع النظارة قليلًا


رحمة حجة

"أكثر كتابين ذائعي الصيت هذه الأيام بين الطلبة، الأسود يليق بك ورام الله الشقراء"، هذا ما قالته ابنة أختي التي تدرس بجامعة النجاح في نابلس، وربما أجزم بجرأة تسويق كتاب محلي في ذات الوقت الذي تصدر صاحبة أكثر الكتب مبيعًا على مستوى العالم العربي أحلام مستغانمي، "أسودهَا"، خاصةً أن "رام الله الشقراء" إصدار أول لكاتب شاب في مقتبل التجربة الروائية، لكنه في معترك العمل الصحافي منذ سنوات، يعرفه البعض باسم عبّاد يحيى، كما اختار لروايته، والآخر بعبّاد خالد.

يقول الكاتب خلال لقاء تلفزي (أيلول 2012) مع "فلسطين اليوم"  التي استضافته لعضويته في فرقة "ساند" الذي يقيم فعاليات ثقافية "دون راعٍ أو داعم": الرسالة واضحة وبسيطة لكل فلسطيني يعيش في الضفة الغربية ويتابع ما يجري منذ عدة سنوات في رام الله وفي كل مدن الضفة، هنالك ارتهان بشكل كامل لكل الأموال القادمة من الخارج عبر ممولين ومانحين وسفارات ووكالات تنمية غربية، والقادمة أيضًا من الشركات الخاصة الرأسمالية التي ترهن جميع نشاطها بربحها التجاري ومطامعها وأجنداتها الخاصة".

وكأن السابق، رسالة "الشقراء" أيضًا، وكأن "ساند" ثورة على ما أرهق تفكيره حول كل ما يحدث في فلسطين، ورام الله النموذج الأكثر فجاجة.

لم يكتب يحيى، كأي توقع، بعضًا من سيرته الذاتية على غلاف الرواية، سواء من الداخل أو الخارج، ربما ترك للقارئ تحرّي تفاصيل سيرته بين طيّات رسائله، أو ترك للحلم أن يفرد ذراعيه بلفت القارئ للكتاب، من أجل المحتوى أكثر مما يشدّ الاسم، وفي تأويل ما، قد يختبر معرفة الناس به، سواء ممن استمعوه عبر إذاعة "أجيال" المحلية، وقرائه من متابعي صحيفة "الأخبار" اللبنانية، التي ينشر عبرها مواده الصحافية في الشأن الثقافي الفلسطيني.

"رام الله الشقراء" هذا الاسم المثير، بغلاف أكثر إثارة، حيث ينفلت شعر امرأة، ممزوج الألوان بين الأشقر والأحمر والبني، على أرضية شارع أو بلاط منزل، في تأويل ثانٍ، بألوان فاترة تشدّ بغموضها الفضول لقلب الصفحة الأولى.

صدرت "الشقراء" عن دار الفيل، تحت مسمّى "رواية"، وأضعه بين مزدوجين، لأنه تسبب بجدل في بعض النقاشات حول إذا ما تستحق هذا المُعطى، ولأنني قرأت جزءًا منها في الملحق الثقافي لصحيفة "الأيام" الفلسطينية، حكمت بدوري أنها مجموعة نصوص، أو خواطر، لكن ليست رواية!

بعد الانتهاء من التفاصيل الشاقة –فكريًا- في لغة الرسائل المتبادلة، بين الكاتب وصديقة ما، (محور الكتاب) أدّعي أنها تؤسس لمرحلة جديدة في الرواية الفلسطينية، عنوانها التمرّد بشكل لافت على سيطرة المفاهيم الأدبية السائدة حول الشكل الفني للقصة أو الرواية، في ذات الوقت لم تخرج عن السياق الذي يمنح الرواية اسمها، من الشخوص والحبكة واشتداد الأزمة وربما انفراجها وربما انفتاحها على كل الاحتمالات.

"رام الله الشقراء" أشبه بتفاحة نيوتن، التي شاهدها الجميع تسقط، ولم يحاول فك لغزها سوى نيوتن، ويحيى قام بهذا الدور، في تفكيك الظواهر المجتمعية التي ألمت بالفلسطينيين بعد اتفاق أوسلو، ورصد التغيرات مذ حينه حتى الآن، عبر سوقه أمثلة من الحياة اليومية ونماذج لشخوص وأماكن تفشت فيها تداعيات المرحلة.

كم منّا قال الكثير مما يشبه انطباعات ورؤى وتخوفات وهذيان، وفي أحايين كثيرة هواجس المتراسلين في الرواية، كم منّا دوّن ملاحظاته في نص قصير بطابع أدبي أو صحافي أو عبر "استيتس" أو "تغريدة" في مواقع التواصل الاجتماعي التي يرتادها يوميًا؟! في "الشقراء" يجمعها يحيى، يدوزنها، ويشد أوتار القلق، ويبثها كالبهجة لنا، لكنها بهجة مفرطة، إذ تودي إلى بكاء ليس له رادع، بسبب كل النتوءات والتشوهات التي ضاقت بها رؤية الفلسطيني لمستقبله أو مستقبل البلاد.

وبكل واقعية وتحرر، يصوغ يحيى ذاته في بث مكنوناته التي كانت –حسبما تشي عباراته الأولى-  في أرشيف مراسلات "فيسبوكية"، بلغة متقنة، وتعابير فريدة، واهتمام بسرد المشاهد على أدقها، دون أن ينحدر أي تفصيل نحو اللاقيمة، فكلها تجهزت لخدمة تعرية الواقع، دون الاختباء في صفوف الرمزية الأولى، وبلادة الرومانسية، إنه أسلوب الصحافي حين يؤشر على الجرح ليقول لك "تحرك" في قالب أدبي مثير.

وتستمر واقعية يحيى حول الأحداث، ومثالية توصيفه لأفكاره وأفكار الصديقة أمام الأمراض التي تفتك بالمجتمع، حتى تسيطر الواقعية عليهما أواخر صفحات الرواية، حين يقع في ذات "الشرك" الذي يحذر منه صديقته طيلة الوقت، ويحذرنا، ويبرر تلك الدهشة أمام "الشقراء" بأنها مادة عظيمة للكتابة، حتى تتضح ببساطتها انبهار الشرق بالغرب، وغيرة الشرقية بالمقابل في آخر سطور، وإذعانها بعشق رام الله مهما حدث فيها من كل توصيف جاء قبل الأخيرة من صفحات "الشقراء".

وفي تبسيط للعلاقة الشرقية بين رجل وامرأة، تقول الصفحات الأخيرة بصوت منخفض "الرجل يتوقف متى يشاء عن الكلام والمرأة تنتظر الرد".

"رام الله الشقراء" تنبئ بفتح الباب للشباب المترددين أو ربما المتخوفين من إبراز أدبهم، أو فلنقل أعمالهم الأدبية، ربما ظنًا منهم أنها لا تستحق، لكن ببعض التعب والانشغال بتهذيب التفاصيل، قد تخرجُ برواية أو ديوان، وربما مجموعة قصصية.


تعليقات

‏قال ريوبى
موضوع ممتاز
ryobi

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

لماذا أحب هذا الرجل بالذات؟

لم أحظ يومًا بفرصة اختيار "حقيقية" للرجل الذي أحب. دعوني أتناول حياتي كامرأة شرقية مسلمة لا أقارب لها من الرجال غير إخوتها، ثم أرى إن كنتُ "اخترت" بالفعل حين وقعت في الحب سابقًا. درست في مدرسة للبنات (غير مختلطة) منذ الصف الأول حتى الثانوية العامة، أي أنني لا أعرف من الرجال غير إخوتي، وأبي الذي مات وأنا عندي 5 سنوات فقط، وأولاد الجيران الذين شاركتهم اللعب في الحارة حتى الصف الخامس، قبل أن يسحبني أخي من لعبة مختلطة أمام بيتنا ويقول لي "لقد كبرت. عليك أن تتوقفي عن اللعب في الحارة". وغير هؤلاء الأولاد، كان الزملاء والمشاركون معي في عدة نواد صيفية، وكنت طفلة، وسن المدرسة جميعه أعتبره مرحلة طفولة، بما فيه المراهقة. أي أنني في مرحلة بناء نفسي بالتالي لم أتعرّف على صفاتي وقدراتي وما أحب وما لا أحب، والرجل في نظري هو ولد يبتسم لي في طريق المدرسة أو يشغّل أغنية حب حين أمر به، ولا شيء أكثر، لا مشاريع حب لا مشاريع زواج، فعائلتي لا تُزوّج الفتيات في سن الدراسة، والتعليم أمر مهم لنا، بالتالي فكرة "الرجل العريس" لم تكن واردة إطلاقًا. بالطبع فإن العلاقة بيني …

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…