التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"الأسود يليق بك".. لم يخرج من ركن ثلاثية مستغانمي


رحمة حجة

أطلت علينا الكاتبة الجزائرية الشهيرة على مستوى الوطن العربي، خاصة بين الأجيال الشابة، أحلام مستغانمي، أواخر هذا العام، بروايتها "الأسود يليق بك"، التي تحكي عن هالة، ابنة السابعة والعشرين، التي تحدّت بصوتها كل من يسعى لإسكاته من الحركات الإرهابية في الجزائر التي قتلت أخاها وأباها، ومن المتنفذين بالسلطة الذين صعدوا على أرواح الأبرياء، ليصلو مناصبهم.

وبين الذاكرة المؤلمة لفتاة جزائرية تعيش في سوريا، ومستقبلها الفني، يظهر في حياتها، ذلك الرجل الاستثنائي الذي يوازيها لغة، يغلبها وتغلبه في الكلام، ويفاجئها بل ويبهرها في طريقته بالتعبير عن حبه، وللمال في حبه سطوة، إلا أنه لم يتغلب على أنفة هالة واعتزازها بنفسها.

مستغانمي، الكاتبة التي تنتصر دائمًا للمرأة، حتى لو وصفتها بطريقة لا تروق للقارئ، فهي بثلاثيتها التي انتهت بوقوف البطلة أمام جثة حبيبها الأول، خالية من أي شعور بالعطف أو الرحمة، وهي التي كانت تبدّل الرجال واحدًا تلو الآخر، لتكتب في كل منهم رواية، وفي نسيان حاولت الكاتبة إقناعنا بطريقة فعالة لحب يمكن نسيانه فيما بعد، إذا تم الفراق، عبر نساء أحرقهن الشوق ولم تنجح أي منهن البتّة في الخلاص.

وربما للتعويض عما لم تمنحه مستغانمي للمرأة العربية من "نسيان" في كتابها، جاء "الأسود يليق بك" الذي اعتلت بطلته مسرح النصر في ختام صفحاته، أمام رجل يأكل أصابعه ندمًا، لأنه حاول حبسها في قفص أمنياته، وظن بأنها لن تعيش الحياة بعده، بالأحرى أنها لن تجد مثيلًا لحبه أبدًا، إلا أنها قررت الخروج من فراش الخيبة الذي تدثرت به طويلًا، تستند فيه على رغبتها في التحدّي ويد رجل عرّفها إياه القدر في الوقت المناسب، إلا أنها أيضًا تغلبت حتى على شعور المناكفة، وتذكرت أثناء نجاحها أنها تنجح لأجل نفسها ووطنها وللمستقبل الذي ينتظرها.

في لغة الرواية، ظهرت مشهدية شعرية عالية، بدهشة معتادة أمام إتقان في ربط حروف اللغة لمستغانمي، التي  تلبسها لسان شخصياتها الروائية، إلا أن أحلام في "الأسود" لم تخرج عن مألوفها في في الحبكة، حتى أن هالة تشبه حياة (بطلة الثلاثية: ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير) في أن لها أخًا انغمر في طقوس الحركات الإرهابية التي تحارب باسم الله، وكثيرة من العبارات التي وصفت بها السلطة وتلك الحركات لم تختلف في معناها، وإن اختلفت في صياغتها، عما جاء في الثلاثية، وعبارات عديدة لكتاب ومشاهير تكررت في هذا الكتاب أيضًا.

وأسمح لنفسي، رغم تجربتي البسيطة في القراءة والتمعن في النقد أن أقول، بأن الثلاثية كانت في صياغتها أكثر قوة ومتانة من "الأسود"، ومستغانمي كانت أقل ظهورًا وأكثر تلقائية في نسج تفاصيل الحكاية، حيث لوحظ في عديد من المشاهد تكلّف في الرواية، واصطناع المعاني، وفي بعض الصفحات رأيت الكاتبة تحاول الانتقال بصعوبة من الحديث عن شيء إلى شيء آخر مختلف (لاحظ/ي عندما تتفكر البطلة قصة أخيها علاء)، ووصولًا إلى الصفحات الختامية، رأيت الكاتبة تغرق في تفاصيل لا لزوم لها، إنما لتحشو هذه الصفحات بالكلام فقط، عوضًا عن تعثّر مستغانمي ببعض اللغة الخطابية، التي تشوب أي عمل روائي، وتقربه أكثر من الشعارات.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…