التخطي إلى المحتوى الرئيسي

يومان في جامعة الاستقلال 1



رحمة حجة

حين تصحو قبل السادسة صباحًا، إلى جانب نافذة تطل على حديقة تغرد بهواء نقي وعصافير ذات لحن نشيط. على سرير بطابقين، نسيتَ أن تجرب الأعلى منهما على سبيل المغامرة الأولى، واستقريت تحت سقفين.. أضف إلى ذلك طرق الباب المتتابع لتذكيرك بموعد رفع العلم والرياضة الصباحية على وقع أغنية للجيش العربي، تمجد حمل السلاح وشظف العيش، بلحن لن تسمع مثله إلا في هذا المكان. أنت إذن في جامعة الاستقلال (أكاديمة العلوم الأمنية) في أريحا.
أخبرني صديقي الذي استيقظ قبلي، أنه استغرب رفع علم الجامعة، لكن أحد الطلاب أجابه "علم فلسطين لا يُنَكس ليرفع" وراقت له الفكرة.. أيضًا راقت لي.

العسكرية.. أسلوب حياة

في ذاكرتي ارتبط العمل العسكري بالعمل الفدائي الذي كنا نشاهده في وثائقيات الثورة الفلسطينية، من قصص الفدائيين وجيش التحرير والتدريبات في الجبال بعيدًا عن أعين الناس والوُشاة. وحديثًا، عجّت المحافظات الفلسطينية بالبؤر العسكرية الفلسطينية التي انبثقت عن اتفاقية أوسلو، فقط لحل القضايا المدنية التي لا علاقة لها بمقاومة الاحتلال، لا غرابة.. فأوسلو اتفاق سلام.
هنا، في جامعة الاستقلال، مبان كبيرة، مبهرة في أسقفها وبواباتها. قاعاتها مكيفة، والحدائق منتشرة بين المبان بألوان فقط تبعث الارتياح. ولا وجود للإنترنت، لذا وداعًا إيميلاتنا وفيسبوكاتنا ليومين. ينام الطلبة في "المنامات" داخل الجامعة، التي استعرناها منهم ليلتين في عطلتهم الأسبوعية، وكانت مستعدة لاستقبالنا بنظافتها وإتاحة الفراغ لملابسنا. أبواب الغرف ضيعت مفاتيحها قصدًا. جوٌ يجبرنا على الثقة والشعور بالأمان!
أما الطعام، ثلاث وجبات يوميًا. الفطور 7:30 صباحًا، مثلًا، زيت وزعتر مع إصبع حلاوة وشاي. والغداء 12:00 ظهرًا فاصولياء بيضاء بالتونة. أما العشاء 6:30 مساءً فول مع بعض قطع البندورة وشاي. منا من أكمل طعامه ومنّا لم يستطع. منّا من استنكر قوانين الاستيقاظ باكرًا في 6:30 لممارسة الرياضة والنوم 11:00 مساءً بعد سماع الجرس وإغلاق باب السكن الرئيسي إعلانًا بانتهاء اليوم، والآخر التزم بهدوء.. بالنسبة لي كنت مستمتعة في كل لحظة في الجامعة، إلا النوم باكرًا، لغاية في نفسي! ولم أكمل جولة الجري الصباحي، حيث تكشفت نتائج ابتعادي عن الرياضة، ما أحزنني!
في يومي العطلة التي عشناها في الجامعة، كانت خالية إلا من المعدودين من الطلبة، وفي يوم مغادرتنا، كانت أفواج الطلبة تتابع إلى الداخل، ما زالوا بلباسهم المدني. الفتيات والشبان الذين قدموا من مناطق بعيدة عن أريحا، يسلمون الآن هواتفهم النقالة، وتودع بعض الفتيات آخر صوت عبر هواتفهن قبل التسليم. 
هذه الفرصة، منحنا إياها منتدى شارك الشبابي الذي جمع متطوعيه من مختلف المحافظات في مشروعي المجالس الشبابية المحلية وشبكات الشباب ليفكروا معًا في مستقبلهم ونقاط التواصل بينهم، ويعرضوا خططهم.. أحلامهم.. والعقبات التي تسد أحيانًا الطريق، وتلك التي يمكن ظهورها. وكنت معهم كممثلة عن جمعية "غدًا أفضل للثقافة الفتية" التي بدأت تشق خطاها الأولى، وتعنيها تجربة شارك كأحد أكثر المؤسسات الشبابية تشعبًا في الضفة وغزة، للاستفادة من نقاط الإنجاز من جهة، والإخفاق من جهة أخرى.
وشاركنا بعض طلبة الجامعة، بلباسهم العسكري، كانوا ملفتين بمشيتهم وطريقة حديثهم. الفتيات منهم خرجن عن الصورة النمطية التي عهدناها في الشكل ونبرة الصوت لمن يعملن في السلطة الفلسطينية. هن الجميلات، اللاتي يهتمين بمظهرهن، لا يتكلمن إلا عند الضرورة، وبصوت هادئ، ولغة جسد واثقة.
في المنامة، كل ليلة تدق إحداهن بابنا قبل النوم "بحاجة لإشي؟" ثم يودعننا ب "تصبحن على خير". انتهزت الفرصة للتعرف عليهن وعلى ما يتلقينه من علم إلى جانب التدريب العسكري، ففي هذه الجامعة تدرس علوم العسكرية إلى جانب الحاسوب والتجارة واللغات وغيرها. حيث قال لي عميد شؤون الطلبة لديهم " حين نحتاج محاسبًا في أحد الدوائر الأمنية سيكون لدينا محاسب وعسكري معًا" .. أفكر "وأيضًا مأمون جانبه في الولاء للسلطة".
الطالبة حنين اشعيبات (19 عامًا) التي جلست معنا بملابسها العادية نهاية اليوم الثاني، تحدثت بنبرتها الطفولية وضحكتها التي لا تفارقها، بعينين تسترجعان الذكريات الأولى في الجامعة. أتت إلى هنا من بيت لحم، واجتازت دورة العسكرية (45 يومًا) واختبار الثقافة العامة، لتدرس نظم المعلومات الإدارية. أغرتها بدايةً فكرة الاستقلال والسكن الداخلي بعد أن قدمت طلبات انتساب لعدد من الجامعات، وشجعتها والدتها التي تعمل في السلطة برتبة ملازم أول. تروي عن اختبار 45 "لا بلفونات ولا مكياج ولا زيارات ولا اتصالات عبر الهواتف الأرضية مع الأهل، أكلنا الصراصير ولعبنا في الأفاعي.. انسحب من دفعتنا 60 شابًا مقابل 10 فتيات! كانت دورة مغلقة تمامًا، خضتُ فيها التحدّي للبقاء لأن عندي أمل فيما سيأتي بعدها" وعمّا غيرته فيها العسكرية تقول "أصبحت أكثر مسؤولية أكثر وعيًا، والنظام نمط حياتي". وأخبرتنا بأنهم شبانا وفتيات يوقعون عقودًا مع بداية الدراسة تلزمهم بعدم الخطبة أو الزواج طيلة فترة الدراسة، فقلت لها على سبيل المزاح "بس أكيد مسموح تحبوا ".

الشباب.. حالة تناقض

يتبع__




تعليقات

‏قال SkyWriter
أزال المؤلف هذا التعليق.
‏قال SkyWriter
ننتظر المتابعة..
أليست حياة الفتيات هناك خطرة...
ألا ترين أن منع الخطبة والزواج قد يكون سبباً في الحلول العوجاء..؟
بنات العرب بناتنا وأخواتنا, ولو أنّي بعيد قليلاً, إلا أنّي أخشى من الاختلاط على بنات هذه الأمّة.. فالشاب القوي يستطيع أن يدوس على مشاعره متى شاء.. ولكن هل تستطيع الحرائر فعل هذا..؟
أتمنى لكِ ولهنّ التوفيق.
‏قال رحمة محمود
بتسعدني قراءتك
صراحة مش عارفة انا لما حكولي ما اجى ببالي انو يكون الها اثر سلبي، لانه هيك هيك بالعادة بيخطبوا البنات او الشباب بعد الجامعةلانه بكونوا في سن دراسة يعني يا دوب بتخرجوا 22 سنة.

وان شالله التوفيق الك كمان :)

تحياتي
‏قال غير معرف…
شكرا الك اخت رحمة على جهودك الرائعة ونحن ننتظر منك المتابعة ^_^
‏قال رحمة محمود
شكرا لقراءتك
هنا رابط الجزء الثاني
http://ayyamm85.blogspot.com/2012/06/2.html

تحياتي
‏قال GhaRam A. abu Znaid
اخت رحمة انا بتشكرك كتير على جهودك الرائعة وانا طالبة سنة تانية في جامعة الاستقلال ...... ونحن ننتظر منك المتابعة ^_^
‏قال صفا حجه
جميل ...جميل..جميل

انه لمن الرائع القاء الضوء على هذه النقطة اذ يجهل الكثير الكثير منا وجود مثل هذه الجامعات و المراكز العسكرية التدريبية.

شكرا لك...
‏قال رحمة محمود
عزيزتي غرام
وأنا اشكر تواجدك :)
بالمناسبة أنا أتذكرك جيدًا، وهل تنسى واحدة منكن؟


صفا حبيبتي
شكرا كتير الك وبتهمني دايما قراءتك ومتابعتك لأختك الصغيرة :)

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…