التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ساعة في بيت الأسير خضر!

 

جنين- شاشة نيوز- تقرير رحمة حجة- على كرسيها المقابل لشاشة التلفاز، إلى يسار رزنامة تعد عليها أيام الغياب. تتلقى المكالمات أحيانًا، والدعوات المقرونة بأسماء الله أحيانًا أخرى من النساء اللاتي يزرنها يوميًا للاطمئنان عن صحتها ومؤازرتها في انتظار "الفرج" لخضر. وتستذكر بعينين شاردتين "كان قبل ما يروح عداره يطلع يبوس راسي ويسلم علي.. حنون كتير خضر" ثم تنظر إلى ابنته معالي وتبتسم كأنها تذكرت شيئًا "لحالها اجت قالتلي: بابا بحكيلك لا تضلي اتعيطي لانه بروّح..بروّح" وصمتت.. وصمت القلم حينها عن تسجيل مشاعرها.  

طفلتان!

لا يهدأ الهاتف.. لا يهدأ القلب.. هذه هي السمة الغالبة على جو بيت الأسير خضر عدنان، الذي دخل شهره الثالث في الإضراب المفتوح عن الطعام. وابنتاه مع ابني أخته، بحركتهم وضحكاتهم الخفيفة، يخففون من المظاهر غير الاعتيادية في بيتهم، عبر طلباتهم ومشاغباتهم. وها هي ابنته بيسان (سنة وثلاثة أشهر) تحمل علبة الحليب وتمشي.. تقترب من جدتها هنيهة، وأخرى تبحث عن أمها. وأما معالي(أربع سنوات) التي سماها والدها على اسم عمتها ؛ بسبب محبته لأخته-كما أخبرتنا والدته- تحمل قصة صغيرة تردد منها بعض الكلمات بصوت مرتفع، وإذا سألتها شيئًا لا تجيبك بسهولة.
تقول زوجة عدنان رندة موسى "كانت ابنتي منضبطة أكثر لكن خلال هذه الفترة تغيرت طباعها مع التغيرات التي طرأت على حياتنا، لذا سجلتها في الروضة كي تبتعد قليلًا عن هذه الأجواء" وبأنها، أي معالي، طيلة زيارة والدها الأخيرة، لم تنبس بحرف. ورغم حديث والدها معها "بكرا بطلع الاعبك متل اول ونشتري الالعاب" إلا أنها لم تستجب! بينما اقتربت منه بيسان وحضنته قائلة بلهجة طفلة حديثة الكلام "بابا..بابا" الشيء الذي تقوله كلما شاهدت صورة له في البيت أو على التلفاز. وتخبرنا عنها جدتها بأنها تصعد دائمًا مستعينة بالفراش نحو صورة صغيرة جدًا في زاوية مرآة معلقة في الغرفة لتقبلها قائلة "بابا.. بابا".

ليست زيارة عادية!
الممر المؤدي إلى غرفة خضر في مستشفى "زيف" الإسرائيلي في مدينة صفد المحتلة، محتلٌ أيضًا من قبل الجنود. فتشوا والده عدنان تفتيشًا دقيقًا، أخذوا منه ورندة الهواتف النقالة. ثم سمحوا لهما بالدخول مع عدد من الجنود. فكرت رندة بسعادة "الحمد لله إني قدرت أزوره وهو ما زال حيًا غير فاقد للوعي كما تردد في الإعلام" وهرع الأب نحو ابنه يقبل رأسه، ثم سجد سجدة شكر لله لأن ابنه ما زال حيًا ويستطيع الكلام.. بينما خضر مكبل بالسرير، قدماه، ويده اليمنى، ليأتي الضابط ويفكها، فتتحرر منه يداه..فقط! وموصول به جهاز تخطيط القلب الذي لا يدل على أنه بخير تمامًا.
في هذه الزيارة، الأولى بالنسبة لوالده، والثانية لزوجته، حاول الاثنان فيها إقناع خضر بوقف إضرابه حفاظًا على صحته، وكي يعود سالمًا لعائلته التي تنتظره. لكنه صمم على مواصلة الإضراب، ولن ينهيه إلا منتصرًا خارج قيود السجن، قائلًا "فك الإضراب بعد 60 يوم دون تحقيق شيء معناه انتكاسة للحركة الأسيرة كلها بالتالي فقدان الأمل في الإضرابات القصيرة التي تقوم بها لانتزاع حقوقها".
وحول سماعه ما تردد على ألسنة بعض الشيوخ من تحريم إضرابه قال "ما في آية أو حديث شريف بحرم الإضراب وإذا شيخ بقدر يفتي ويعلنها أنا مستعد أوقف إضرابي" ووجه رسائله للفصائل ولأبي مازن بألا ينتظروا استشهاده كي يقوموا بخطوات فاعلة، وأن يسعوا خلال حياته، مستغربًا من صمت حزب الله متمثلًا في أمينه العام حسن نصر الله (للتنويه: ذكر حسن نصر الله خضر في خطابه الذي تلا الزيارة وقابل أبو مازن والده بعدها بيوم)
ووصفت زوجته صحته ب "أسوأ من قبل" من خلال الهزل الذي أصاب جسده واصفرار بشرته وعينيه الغائرتين. الشيء الذي لم يفارق تفكيرها على طول طريق العودة وعند الحديث مع الناس والإعلام، قلقة مما يمكن أن يحصل له وأنها في صراع بين البقاء متماسكة وثابتة وبين الخوف على زوجها الذي يواجه الموت، وقلة حيلتها بإقناعه قائلة "بكون بدي أقنعه يتوقف فبلاقي جبل من الصمود.. ثقته هائلة قدامنا بإنو رح يحقق اللي بدو ياه" مضيفة بملاحظتها أن والده عاد أكثر تفاؤلًا وعزيمته أشد من ذي قبل بعد أن رأى خضر في تلك الحالة. لكنها لا تتوقف عن التفكير فيما يمكن أن يحصل له خاصة أن الأمور تبدو غير واضحة والمستقبل مجهول في إطار التوقعات الكثيرة.

نسيت عبد الرحمن!
ومما تراه يوميًا وعدم الراحة في النهار أو الليل تقول رندة بسخرية مرة "نسيت إني حامل.. الله اللي بحميه لعبد الرحمن" ولا تتذكر أنها حامل إلا حين يداهمها التعب وقت النوم، وطيلة هذه الفترة لم يتسنّ لها مراجعة الطبيب للاطمئنان على جنينها في شهره الخامس.
فما مضى من هذين الشهرين عليها وعلى العائلة كان مرهقًا كما أردفت لنا، بالإضافة إلى ضغط الصحافة والإعلاميين الذين، حسب تعبيرها، لا ينظرون إلى القضية كقصة إنسانية بل سبقًا صحافيًا بين كل منهم "احنا مش صحافيين بننقل صور احنا عيلة بنعيش مأساة وخوف عإبنا يموت لما بنحكي معهم بنحكي بحرقة ولما بننقل اخباره بنكون نتألم!".
.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…