التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شهادتي.. إنجازاتي!



أيان الجميلة.. كُتبت القصة قبل أن تأتي، فكانت المشاهد على قدر التوقعات

رحمة حجة

المشهد (1)

على باب غرفة إحدى المستشفيات السعودية، في قسم الولادة، يجلس محمد (32 عامًا)، ثم ينهض سريعًا حين يسمع صراخ زوجته، يقترب من الباب، يرخي أذنيه عليه ليطمئن، يهدأ الصوت، فيهدأ نبض قلبه.
يمشي جيئة وذهابًا بمحاذاة الغرفة، تارة يرفع عينيه بالدعاء كلما اشتد الصراخ، وتارة أخرى يكبلهما خلف ظهره، وأخرى يجلس بصمت.. ولا أكثر خصوبة لثمار الذكريات من أرض الانتظار، وها هي ذاكرة محمد تسترجع أوان نضجها، قبل اثني عشرة سنة!
حينها كان محمد في مقتبل العشرينيات، يعمل مع جدّه في محل لصنع القهوة التي يشربها العابرون وسائقو التاكسيات، على رصيف شارع الأمير محمد في عمّان، تزامنًا مع دراسته للثانوية العامة التي لم يحظ بعلامة النجاح فيها لمرتين متتاليتين! ما جعله يفكر عميقًا "هل سأبقى أعمل هنا؟ وهل سيتكون مستقبلي بين فنجان القهوة والرصيف؟ لا لا أريد أن أبقى على هذا الحال.. أريد حياة أفضل!"
وكذا زوجته، حملت مرتين، ولم ينجح حملها.. وها هي في ولادة المحاولة الثالثة، فهل تنجح وتأتي أيّان؟!

المشهد (2)

تخرج إحدى الممرضات من الغرفة، فيسرع إليها ورأسه يلتفت إلى الداخل، وعيناه لا تفارقان الباب حتى يغلق..
-        هل هي بخير؟
-        أجل  أجل لا تقلق..
-        لكن لم لم تلد حتى الآن؟
-        تقول مبتسمة- الظاهر بنتك عنيدة مو راضية تنزل!
ترتسم ابتسامة على وجهه المتعب- يااااا رب..

المشهد (3)

يعود محمد إلى كرسيه، يغمض عينيه قليلًا، لتلوح له الذكرى من جديد، حيث تراءت له والدته وهي تقدم له سواري الذهب كي يبيعهما من أجل إتمام المبلغ المالي المترتب دفعه مقابل مشاركته في دورة "إدارة المطارات و علوم الطيران" التي كانت الأولى من نوعها آنذاك في الأردن، ومنحت الفرصة لذوي المعدلات المنخفضة في الثانوية العامة، بالإضافة إلى الذين لم يحصلوا على علامة النجاح... جمع ما حصلّه من نقود في عمله في القهوة وأحد المحامص على ثمن سواري الذهب، وذهب.. ليكون أول المنتسبين إلى هذه الدورة، ويُغلق التسجيل بعد استيفاء العدد لشدة المنافسة!
صورة أمه لم تفارقه، التي ضحت بالثمين لأجله في الوقت الذين كانوا بحاجة إلى النقود، ما جعله دائم المثابرة كي يكون الأفضل، وأقل ما يجب تحصيله في الدورة تقدير "جيد جدًا" إلا أن محمدًا حصل على .. ممتاز! وانتهت سنة كاملة كخطوة أولى نحو حلمه، الذي سيغير حياته..
يفتح عينيه فجأة على صوت زوجته، ويقوم بسرعة الخائف، ولم تأت أيّان بعد!

المشهد (4)

" الساعة في معصمه الأيسر تشير إلى التاسعة والنصف مساء، وقد بدأ انتظاره منذ الثامنة، ليتذكر انتظاراته الصباحية التي استمرت شهرًا على أبواب "الملكية الأردنية للطيران" يحمل شهادة الدورة التي حصل عليها مصدقةً من وزارة التعليم العالي وجامعة عمان الأهلية، إلا أن ذلك لم يكفه لينخرط في التدريب مع الملكية، حيث طلبوا منه شهادة الثانوية العامة، لكنه مارس تكرار طلبه وإلحاحه عليهم ليتدرب على أيدي خبرائهم طيلة الشهر، حتى "ملّوا" منه وقبلوا الطلب.
الشريط بدأ التسارع... سنتان في الملكية الأردنية في قسم العمليات المختص بالحجوزات عن طريق الهاتف.. ليس فقط متدربًا إنما مدربًا أيضًا لخريجي الجامعات؛ كي يحصل على شهادة الخبرة التي تعدّ وسامًا للعمل فيما بعد في أي مكان نظرًا لأن شركة الطيران المذكورة هي الأولى باعتبارها الناقل الرسمي في الأردن، وحلمه لا يفارقه!

يبتسم أثناء تفكيره.. متذكرًا الموقف الذي لا ينساه، حين دخلت مديرة القسم مكتبهم مع المتدربين:
-        هاد الولد أحسن منكم كلكم، وعشان هيك رح نكافؤوا بتذكرة ذهاب وعودة لتايلاند..
ليذهب وحده إلى تايلاند، يعيش حلاوة الإنجاز، ويمارس أحلام السفر فيما بعد مع زوجته، حيث تعاهدا بأن يكونا رفيقي درب واحد، في كل مكان، وإلى أي مكان في العالم!

المديرة ذاتها انتقلت للعمل في أحد مراكز الحجز الآلي في الأردن وطلبت فيما بعد أن ينتقل محمد للعمل معها، واستمر عمله هناك لمدة عام، لم تستطع تثبيت تعيينه كموظف رسمي فيه لعدم حصوله على الثانوية العامة، عام كامل دون راتب شهري، لكنه لم يخل من المكافآت التي كانت تصرفها له المديرة مقابل عمله.
حبيبتي أيان، متى ستأتي؟؟

المشهد (5)
شعر محمد بالعطش، فتوجه نحو الماء في البهو المجاور للغرفة، وصورة أيان (المستخرجة من جهاز الآلي لفحص الحمل) بيده، كأنه يقبض على حلمه الثاني، يحتضنها حتى تجيء ويرى تعاليم الجسد الطفولي الملائكي، الذي سيملأ العمر بين دفتي قلبه وقلب زوجته التي تعاني في الداخل، ويحمل هو صرخاتها..
يشرب.. يستريح قليلًا، والدعاء والذكريات لا تفارقه، وها هي تطل من أعلى الدرج، والدته! يركض نحوها.. يحتضنها، وتهون عليه بكلماتها:
-        ان شالله تقوم بالسلامة ونشوف أيان، هاد اشي طبيعي ما تخاف
-        خليكي جمبي.. 
أمه التي كانت دائمًا الوصلة بينه وبين أحلامه، ها هي تخفف عنه مرة أخرى، ويتسع له حضنها مجددًا..
يغفو على ساعديها.. وتلوح له بقايا الذكريات، حين تعرف على زوج ابنة عمته، وشرح له طبيعة عمله والخبرة التي يحملها بعد عمله في شركة أخرى للسياحة والسفر لمدة ستة شهور في عمان، ويعده بأن يساعده في العمل..
وبينما كان مع أحد المجموعات العربية السائحة في وادي رم، جاءه الاتصال الذي نقله من عمان إلى السعودية، إذ يعمل مذ ذاك الوقت (2005) حتى الآن في مكتب "الطيار" للسياحة والسفر، المعروف على مستوى الوطن العربي، ويؤهله للعمل بتميز في أي مكان يريده..

المشهد (6)

-        وااااع وااااع وااااع
ينبعث الصوت من الغرفة.. فيستفيق فرحًا وتشكر أمه الله، ليخرج الطبيب..
-        الحمد لله عسلامتها
يدخل محمد ووالدته إلى الغرفة مسرعًا، يحمل أيان ويقبلها، ويقبل جبهة زوجته..
-        الحمد لله عسلامتك، ومباركة علينا أيان.. مباركة للعمر اللي جاية..

تعليقات

‏قال Um Ommar
طريقة نقل التفاصيل ما بين الذكريات والحاضر طريقة جدن راقيه ورائعه

أبدعتي بالسرد,, جدن جدن كمان

صباحك خير

يارب نلافي عند كل الشباب هالطموح
بحب الطموح,,هوه الشي الوحيد اللي ما إله حدود وما بمنعه إلا الخوف اللي جواتنا

يتهنو بأيان يارب,, إسم كتير حلو
‏قال جعفر حجير
لا زلت أؤمن أن عالم التدوين يحتوي كنوزا مخبأة

أمتعتني و تمنيت لو أن الرواية أطول
شكرا لأم عمر إنها عرفتنا على هذه المدونة
‏قال Um Ommar
العفو جعفر
لازمن هاي المواهب ما تضلها مدفونه
خصوصي إنكم من فلسطين
:))
‏قال رحمة محمود
شكرا أم عمر، وانا سعيدة جدا بقراءتك، وتسلمي الله يحلي ايامك :))

جعفر شكرا كتير لوقتك وقراءتك، بيسعدني وجودك أيضًا.

مودتي.. رحمة

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…