التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلو ومر: 9 دقائق، والنقاش لا يزال مفتوحًا



رحمة حجة

"أنا مش حاسة بأمومة" قالتها نسرين، إحدى الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم الوثائقي القصير"حلو ومر"؛ فأثارت الجدل بين الحضور في قاعة كمال ناصر في جامعة بيرزيت، بعد انتهاء التسع دقائق: مدة الفيلم. 

فيلم "حلو مر" للمخرجة لنا حجازي من غزة، يقع ضمن الأفلام المختارة للعرض في مهرجان سينما المرأة الفلسطينية السابع الذي تنظمه مؤسسة شاشات بالشراكة مع جامعة الأقصى ومركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، وعنوانه لهذا العام " أنا امرأة من فلسطين". 

اختارت المخرجة مشهد الجنين في عيني الشاشة لدى الطبيبة النسائية كبداية للفيلم، وكانت بنظري بداية ذكية، هيأت المشاهد لموضوعة الفيلم المتعلقة بالحمل والإنجاب، لتتضح بعد ذلك خطوط الحكاية: مقارنة بين حياتي امرأتين من غزة، الأولى ميسون والثانية نسرين، تجمعهما تربية الأطفال، وتُمايز بينهما حدود التجربة، فالأولى أصغر سنًا، يبدو أنها لم تنتظر كثيرًا بعد الزواج حتى حملت، لتنجب طفلها الأول، وتحيا تجربة جديدة مع الأمومة، تصفها بفرح وتشوّق، وتتحدث عن أجمل اللحظات والتغيرات التي طرأت على حياتها بسبب المسؤولية التي تترتب عليها كأم. 

أما نسرين، التي انتظرت وزوجها 9 أعوام حتى لجوئهما لعملية الزراعة، لتحمل ب 5 توائم، فتبرز سعادتها بداية بالإنجاب، ثم همومها اليومية في تربيتهم، والصعوبات التي تواجهها، مع احتياجاتهم الخمسة، فتشعر بأنها لا تستطيع منح كل منهم حقه في الاهتمام، فكل خطوة باتجاه أحدهم محسوبة من الأربعة الآخرين ولا وقت لتدليلهم؛ لذا قالت "أنا مش حاسة بأمومة" وجاءت صادمة نوعًا ما، إلا أنها سردت في نهاية الفيلم طقوس سعادتها بهم بالرغم من كل التعب. 

أظهر الفيلم مراحل النمو للأطفال، تارة من خلال أرشيف صور وفيديو العائلة، وأخرى من خلال متابعة كاميرا حجازي، وجاء التنقل بين حياة ميسون ونسرين سلسًا، أسهمت فيه الموسيقى، التي تناسبت مع الصورة في لحظات الترقب وفي لحظات الفرح، حيث النقلات الشعورية في التعاطف مع كل من نسرين وميسون، ومشاركتهما اللحظة، ونص روايتهما. 

ورأيت في هذه التسع دقائق، فكرة السعادة، بمفهومها العريض والمختلف من إنسان لآخر، وكلنا نبحث عنها. فنسرين عاشت 9 سنوات مع زوجها، مشغولة بفكرة أن يكون لها طفل، دون أن تكتمل سعادتها، فتتخيل وترسم الحياة بعد قدومه، ليتحقق أكثر ما تمنت "عددًا" وأنجبت خمسة لا طفلًا واحدًا، ثم سعادتها تبدو على غير ما توقعت..! 

أما المفارقة، إذا أمكن تسميتها هكذا، أنني تذكرت حوارًا مع طفلة التقيتها في الأردن، سألتني عن إمكانية وجود أشياء بسيطة كالألعاب والفرح والملاهي في فلسطين، ظانة أننا نعيش 24 ساعة في حرب، لأوضح لها أن ما يشاهدونه الآن من حرب فقط في غزة، أما الضفة فمعاناتها أقل، دون نفي لوجود المعاناة اليومية، وأتذكر أنها بكت يومها. 

وفي هذا الفيلم أحسست بأني تبادلت الدور مع الطفلة، حيث نسيت حصار غزة في الصور التي تتابعت عن هاتين المرأتين وأطفالهما، فهناك وقت للملاهي واللعب وأعياد الميلاد وطقس "الأسبوع" لحديثي الولادة؛ إذن هناك حياة أخرى، أخفتها كاميرا الحرب والدمار التي تعودنا عليها في نشرات الأخبار، ننساها أحيانًا..! 

وفي نقاشهم، تعرض الطلبة، الذين يشكلون غالبية الحضور، إلى قضايا عدة: المخاوف والضغط النفسي الذي يحيط بالمرأة في المجتمع الفلسطيني بسبب عدم الإنجاب لفترة طويلة، وأهمية دور الأهل في تقديم الرعاية والعون لابنتهم؛ حيث أظهره الفرق بين المرأتين حين كانت أم ميسون إلى جانبها في جميع المشاهد- بررها الطلبة لصغرها في السن- بينما لم يظهر أهل نسرين في المراحل المتتالية منذ حملها حتى الإنجاب، وربما الفضفضة التي تحتاجها، ليس فقط لأهلها بل لصديقاتها، وقد عبرت عن ذلك بقولها "الحياة انقلبت.. الحياة الاجتماعية ماتت" حيث أصبح شغلها الشاغل الاعتناء بأطفالها، لتتطرق ممثلة مركز المرأة للدور المؤسساتي في رعاية النساء وتقديم العون لهن سواء كان معنويا أو ماديا، الشيء الذي يجب أن تأخذه الحكومة بعين الاعتبار. 

بالإضافة إلى مناقشة غياب الاحتلال في الفيلم، إذ أظهر ولادة نسرين في مستشفى المقاصد في القدس، لكن كيف تمكنت وزوجها من ذلك، وما الصعوبات التي واجهتمها أثناء القدوم من غزة إلى القدس لم تأت المشاهد على ذكرها، ولا حتى الحديث. 

وكان الجدل حول ضرورة التركيز على قضية المرأة بمعزل عن الظروف الأخرى كونها قضية إنسانية عامة، أو أهمية ذكر ذلك لإصباغ العمل خصوصية فلسطينية، وفلسطينية غزيّة أيضًا. وأعتقد أن الاحتلال جزء أساسي من حياتنا وهمومنا اليومية يجب أن يظهر تأثيره في جميع الأعمال، الشيء الذي لا يعني أبدًا أنه السبب في كل مشاكلنا. 



تعليقات

‏قال mymen7a
مدونة جميلة جدا

اهنئكم

تابعوا مدومني من فلسطين

http://mymen7a.blogspot.com/
‏قال رحمة محمود
شكرا لك.. ان شالله نكون من المتابعين :)

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…