التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرة أخرى هناك.. يا صديقي!


رحمة حجة

بدأ الوقت هذه المرة مختلفًا في مسجد جمال عبد الناصر، وأنا لستُ وحيدة!
وها هي التفاصيل الخجولة بيني وفتاة أخرى أخذت التفتح رويدًا رويدًا في طقس تعارف تحت قبة هذا المساء، تلك التي قدمت للصلاة فقط، وستعود إلى نزلها بعد الانتهاء..
كنا وقت الإفطار أربع مجموعات- على اعتبار الفرد مجموعة- وكعادتي أراقب أسباب تواجدهم هنا، الشيء الذي لا يبدو اعتياديًا للكثيرين غيرنا، لا لشيء.. وربما لأكتب عنهم، حينها تذكرتك، وقررت أن لا أكتب عنهم، بل أكتب لك، أنتَ الذي اخترقت فجأة تلك الحوارات بيني وبينهم من جهة، ومن جهة ثانية بيني ونفسي..! وفكرت بأن أحدثك عن كل منهم دون المضيّ في ملاحظاتي وانطباعاتي؛ لأنني أعلم قدرتك على التقاطها، إذ أنك تفهمني جدًا في كثير من الأحيان، بل أكثر من ذلك، الشيء الذي يصعب عادة على غيرك ممن تعرّفتهم/ن.
أما ما لا أفهمه، فهو تذكر ذاك اليوم الماطر، الذي جمعنا وآخرين، وتذكر الحوارات وبريق عينيك حين مهاتفتها وسعادتي بك.. لم الآن؟ بين أولئك الناس الذين لا أعرفهم ولا أخافهم أيضًا؟ أهو نوع من الاستطراد الجاحظي مثلًا؟!
أأخبرك عن الطفلين اللذين تشاجرا في الطابق الثاني وعلا صوت " سب الدين" في المسجد، وصعدت امرأة إليهما كانت تجلس قربي قبل قليل، وتبادلت وإياها الحديث و" فرصة سعيدة"؛ لتوبخهم، فيزلا ليكملا المشاجرة حول بعض النقود على ما يبدو، وتصفهما ذات المرأة بأنهما " اولاد شوارع.. هدول اللي ببيعوا بالشوارع" وبعدها لحق أحدهما الآخر ليعلو صوت شتم المقدسات في باحة المسجد.. ويختفيان..
هذان الطفلان، هما نفسهما اللذان سارعا معًا بعد انتهاء صلاة التراويح مخترقين النساء العائدات بيوتهن- أو ربما غير بيوتهن- ليبيعا لهن " الدبابيس"، وتوبخهن بعض النسوة بحرمة ذلك، هل ذنبهم يا صديقي أن يكونوا " أطفال شوارع" ؟
أم أحدثك عن ذاك الرجل الذي جلس على قارعة مصلّى النساء مع قريباته، واستهجنت بعض النساء وجوده هناك -منهم أنا- حتى أن إحداهن سألته بكل ذوق حين استيقظت من قيلولتها المتعبة ورأته إلى جانبها يضع بعض الطعام " يا حج مصلى الرجال في الناحية الأخرى وليس هنا" ليجيبها بنظرة خائفة وأكتاف مرتخية" شو دخلك إنتي؟!" ويواصل التوجه نحوها بذات النظرة المجبولة باحتمالية رد أقسى إلى أن اختفى خلف باب الخروج..
هذا الرجل، الذي لاحظنا تعثره بنطق الحروف والمحادثة، نفسه الذي أفطر مع عائلته في ذات المصلى، وسألنا إن سمعنا صوت الأذان بابتسامة حينها، وحين أنهيت الفطور الذي قدمه المسجد لنا( حيث قدّر موعد إفطار جماعي في ذاك اليوم) عرض علي مساعدتي في إلقاء بقايا الطعام والعلب الفارغة، بابتسامته الطيبة أيضًا..!
أو أحدثك عن المرأة التي شكلت مع أبنائها، الذين التصقوا إلى جانب بعضهم تهيؤًا لللإفطار، دائرة قطرها متر، على ما بدا لي.. وبدا لي أيضًا أن أكبرهم لا يتجاوز التاسعة من عمره.. كانوا أطفالًا بلا ضجيج، أو شقاوة..! وكم فرحت الأم وشكرتنا حين قدمنا لهم الطعام، ودعت لنا بكل الخير..
تلك المرأة، هي نفسها التي صرخت بها إحدى مرتادات المسجد وقت صلاة التراويح موبخة إياها لأن أحد أطفالها تسبب في نثر الأرز على أرضية المصلّى " كان لازم أفطرتي برا ما زال معك ولاد صغار، الجامع مش مطعم! " أما الأولى.. فأرقبها، تكنس بهدوء، دون أي حرف، فأتبادل نظرات الاستغراب مع فتاة شعرت وإياها بأننا نحمل ذات الانطباع تجاه ذاك المشهد، لتهمس لي " من ساعة ما فاتت هاي المرة وهي تصرّخ نفسي أوقفها عن حدها!"..وحين زاد التوبيخ من أخريات، تدخلت إحدانا:
- بهمش خالتي ما صار الاشي عن قصدها
- أنا عارفة بس المشكلة انو بطل الجامع جامع-الاشي اللي بصيرش الا بعبد الناصر- صار حارة!
الأم: والله ما قصدنا، ابني لما إجى يقوم دعم في الكرسي عليها وجبة مش النا فانكبت عالأرض..
يهدأ التوبيخ، وتستمر الأم بالكنس، وأطفالها يساعدونها بفرح يشبه التحضير لملابس العيد..
أو ربما سأخبرك عن قريبتي ذاك الرجل، اللتين شاركتانا صلاة الجماعة، ووضحت إحداهما سبب وجودهم بأنها كانت في القدس لعلاج عينيها، وحين عادوا كان الوقت متأخرًا فقرروا الإفطار في المسجد، وأخبرتنا عن مدى المشقة والتعب الذي حملته معها مسافة تلك الطريق.. أما الأخرى، التي تكور عمودها الفقري بليونة الشيخوخة، لتصلي جالسة، وحين تمشي بخطوات سريعة، لا تبدو قامتها منتصبة للمشي، إنما لجلوس آخر، حين أنهينا الصلاة، قبل إحضار طعام الإفطار لنا، سألتنا أن نأكل معهم، فتعذرنا أنا، لأنني جهزت "ساندويشة" قبل المجيء، والتي تعرفتها لأن " الأوزي" بانتظارها.
أتعرف تلك المرأة؟ هي نفسها التي رأتها رفيقتي هذا المغرب قبل مدة في المسجد تبكي وحدها، ولم يعرف أحد سبب بكائها، فساعدتها الأولى في كتابة رسالة طلبت إليها كتابتها، وتذكرتها اليوم لتقبلها..
أما المجموعة الرابعة، فهي امرأة جلست في الطابق الثاني، بينما جلسنا ثلاثتنا في الأول، تبادلنا وإياها الكلام والابتسامات حين قدمت ورفيقتي لها الطعام.
ولا أنسى إخبارك، عن امرأة من مرتادات التراويح، وصل صوت حديثها مع زميلاتها إلي من بعيد، ووصلتني أيضًا رجفات يديها المتسارعة، ما صاحب نبرة موجعة لصوتها أثناء الحديث- على ما يبدو- عن ابنها.. وفجأة، اتجهت صوبها امرأة وبدأت الصراخ في وجهها، والأولى تتعثر حروفها وتستمر الرجفة بين يديها، أما عينيها فلا تتزحزان، يعتيرهما صدمة أمام كلمات الثانية " إنتي مش عارفة ليش بدوش يجيبك عالجامع، عشان ما تغلبيهوش لما يطلعك عالسيارة ولما ينزلك منها وانتي هيك مش عارفة تمشي، مش لاسباب تانية بتحجج فيها.. لازم تفهمي قديه هوي مدايق منك وبدو يخلص منك.. لازم تفهمي!!"
وقالت كلمات كثيرة تصب في ذات المصب، وذهبت.. ثم عادت، وبدأتا الحديث تشاركهما ثالثة، فسردت الأولى حكايتها مع ابنها وزوجته الذين لا يحترمان قدرها.. وتحدثن كثيرًا، حتى اطمأننت أن الثانية قالت ما قالته رأفة لا تعجرفًا، إنما بطريقتها الخاصة، وما عادت تهمني مراقبة الأسرار، إذ احتوى صدرهن الأوكسجين لتلك الفضفضة تحت ذات المساء.. وقبته..!
أعلم جيدًا لم وددت إخبارك بذلك كله، وأعلم جيدًا أنك ستفهم هذه المترادفات والمتناقضات بطريقتك الاستثنائية، وما أعلمه أكثر من كل ذلك، أنني اشتقتك، وأنتظر موعدًا قدريًا يجمعنا، لا شيئـًا نقرره..!

كتبت مسودتها في ذات اليوم من رمضان ولظروف البعد عن الكمبيوتر نشرت اليوم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…