التخطي إلى المحتوى الرئيسي

1- رمضان، هنا: جمال عبد الناصر



بدأت الأقفال العمل، قبل ساعة أو أكثر قليلا من موعد أذان المغرب، وصوت السيارات والباعة يتضاءل رويدًا رويدًا، ومرتادات المصلّى في مسجد "جمال عبد الناصر" (رام الله) يغادرن بدورهن امرأة تلو الأخرى، والساعة تترقب الوحدة والمفاجآت.

كلما علا صوت إغلاق الحديد، زاد اضطراب القلب بإمكانية إقفال المسجد، لكنّ شيئًا ما يدعو للاطمئنان " وهل لبيوت الله أن تقفل؟".

لا تزال الوحدة وحيدة، غير مقرونة بالمفاجآت، ليزيد الاطمئنان بالتحضير للأذان من خلال الآيات القرآنية التي تسبقه، يا ترى، هل سيأتي عصر تلبي فيه التكنولوجيا دور الإمام، فيتحكم عن بعد بسماعة المسجد أثناء جلوسه مع عائلته في بيته، فيشغلّ صوت القرآن ثم يتبعه الأذان، والناس انتظار؟!

ها هي امرأة تأتي سريعًا، تتلقى الماء المنسدل من الصنبور الذي يسقي روّاد المسجد معنونًا بروح أحد المتوفين عند الله، وما زالت تضم الماء بكلتا راحتيها، وتشرب.

يبدو من قدميها المخضبتين إثر التعرّض الطويل لأشعة الشمس، أنها سارت أو جلست- ربما- كثيرًا، ومن إشاراتها الغضبى إثر ابتسامة تحية وجهت إليها، أنها فقدت الثقة في البشر، فلم الخوف من تجهمها والاضطراب؟ ربما الوحدة مصدر ذاك القلق، لكن، هل يخاف من كان بين يدي الله؟ وهل يؤذي من يرتاح بيت الله؟

- أقم الصلاة.. أقم الصلاة( يتسرب صوت الإمام من السماعة الموصولة بالمصلّى)

مباشرة بعد الأذان، فوحدها صلاة المغرب في رمضان لا تنتظر المصلّين، لأن الذي أتى أتى، ومن لم يأت ظل إلى جانب زاده بعد الصيام، أو ربما كان مشغولًا بأشياء أخر.

الصلاة تحديدًا في هذه اللحظة، قدمت الخوف للمحاكمة، لتحبسه بضع دقائق قبل إصدار الحكم النهائي، وها هو يترصدّ الصلاة لتنتهي دون أدنى خشوع، إلا الدعاء المتصل بألا يُطلَقَ سراحُه..!

صوت طفل يجري إلى جانب والدته، ليدخلا معًا المصلّى، وتوعز بابتسامة مطمئنة، مبررة سبب وجودها تلك اللحظة في المسجد؛ حيث منعتهم زيارة مريض عن شواغر في سيارات تقلهم إلى قريتهم، فالمواصلات موقوفة وقت الإفطار. أتت
تقدّم " الفطائر المحلاة المحشوة" كنوع من كسر الوحدة والحواجز والخوف، الذي أعدم تمامًا.. حبس الله الخوف، وأعدمه عباده!!

الساعة تترقب موعد العِشاء، والنساء بدأن التوافد بعد سبعة عشر دقيقة من تمام السابعة، لتتحرر الرغبة في السير عبر طرقات خفتت إضاءتها لقلّة المحال التجارية المضاءة، وها هو أحد باعة البسطات يعيد ترتيب بضاعته على مساحة (1.5* 1.5)، فلا فرق بينه وبين مالك "الفاترينات" في الاهتمام بترتيب البضاعة، والحب الذي يكنه لها، لتبدو بأجمل شكل، الشيء الذي يوحي بالمعنى الحقيقي للرضا.

امرأة تلقي التحية على أخرى لا تعرفها في الشارع، ما يحصل لأول مرة في رام الله- مع الأخرى على الأقل- ، ربما اطمأنتا لبعضهما وسط الشارع فاتر الضوء والأنوثة، حيث الرجال منتشرون على جوانب الطريق، منهم ماشٍ ومنهم صاحب محل، والمتبقون يرقبون حركة " ما بعد الإفطار"..!

ينهي عقرب الدقائق خمس عشرة دورة، ليعود إلى ترقب أذان العشاء الذي سيملأ المصلّى استعدادًا لصلاة "التراويح"، وهاهن الأمهات والجدات والعزباوات، بعضهن يصطحبن الفتيات الصغيرات اللاتي يرتدين ملابس الصلاة تقليدًا للكبيرات، تردد طفلة من بعيد كلاما يبدو كأنه فارسي، لحداثة طلاقتها بالكلام، تحمل بين يديها القرآن، وتنظر إلى أعلى، كأنما تجمع ما حفظت عن ظهر قلب من الفاتحة إلى الإخلاص إلى الفلق.. سوف لن يحاسبها الله على حملها القرآن بطريقة خاطئة، الشيء الذي تنبهته والدتها لتأتي سريعًا ساحبة إياه منها؛ فالله يحب الأطفال كثيرًا، وأظنه ابتسم حين رأى هذه الطفلة.

- الله أكبر الله أكبر
- أشهد أن لا إله إلا الله
- أشهد أن محمدا رسول الله
- حي على الصلاة
- حي على الفلاح
- قد قامت الصلاة
- قد قامت الصلاة
الله أكبر الله أكبر... لا إله إلا الله

السرعة في الاصطفاف وسدّ الثغرات والتماس مع الغرباء الذين توحدهم " آمين" بعد أولّ فاتحة، وتفرقهم "آمين" بعد دعاء الوتر، كل منهم جاء من مكان ولهدف وينتمي لشيء ما، بغض النظر عن سنه أو بصره الذي ذهب، كتلك المرأة الكفيفة التي مشت إلى جانب صديقتها- ربما أختها- بابتسامة الذهاب إلى الجماعة التي ترتبط معًا بذكر الله والتضرّع إليه، شيء يزوّد النفس لتراتٍ من الأمل..

تعليقات

‏قال -=¤§ آس §¤=-
وسيعلو صوت الآذان دائما
وستبقى مساجدنا شامخة
والله أكبر من الجميع
ورمضان كريم
‏قال رحمة محمود
علينا وعليكم يا رب :)

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…