التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءة أولى.. "حفارو القبور"



"حفارو القبور" هو كتاب هذا الشهر الذي اختارته مجموعة "قرّاء" في جنين للمناقشة، كتبه المفكر الفرنسي روجيه جارودي عام 1999، و النسخة المقروءة ترجمتها عزة صبحي للعربية، و تقع في 154 صفحة. و يتألف الكتاب من أربعة أقسام، يستظل بكل قسم عدد من العناوين، التي تعبر عن أفكار جارودي تجاه القضايا التي يناقشها.

العالم المحطم و الهيمنة الجديدة

يثير جارودي في هذا القسم شكل العلاقة الاستعمارية التي تحكم قطبي العالم(التابع و المتبوع) و أسبابها التي تدور حول المحور الاقتصادي الذي يمثل الهدف و الوسيلة في آن، و كيف تمركزت السيطرة بيد الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد حرب الخليج الثانية، و طالت سيطرتها دول أوروبا و الاتحاد السوفياتي، الذي أدى تفككه إلى ظهور قوى موالية(يلسن) لسياسة الولايات المتحدة، ما أحكم تبعيتها لها.
و ناقش "التطرف الاستعماري" و يعني؛ادعاء امتلاك الثقافة الوحيدة الحقيقية، و الدين العالمي الوحيد، والنموذج التنموي الوحيد، مع نفي أو تدمير الثقافات و الديانات و النماذج الأخرى، و هذا "التطرف" أدى بدوره إلى إيجاد هيمنة استعمارية من نوع جديد، تسربت عبر اقتصاد السوق، لتفرض حياة غربية، تتغلغل في جوانب الحياة المختلفة، فتنشأ جماعة متطرفة رافضة لهذا التيار السائد، و محاربة له، و أورد الجزائر نموذجاً.

أعراض الانحطاط

يرى الكاتب أنّ الولايات المتحدة هي أساس الانحطاط في العالم، موضحاً مفهوم الانحطاط بأنه "قطع أواصر النسيج الاجتماعي؛ لتحويل المجتمع إلى ذرات، وتخريب العلاقات بين الجماعات القومية الاجتماعية أو الدينية، وذلك حين لا تعتبر وحدة العالم هدفاً نهائياً و قاعدة كبرى" ، و يقع الانحطاط على مستويين، على المستوى الفردي؛ الذي يعني الاهتمام بالنفس و رفض الآخر، و على المستوى الجماعي؛ الذي يعني النزوع إلى السيطرة.
و من مظاهر الانحطاط، تفاقم التفاوت وعدم المساواة بين الأغنياء والفقراء من أمريكا حتى أوروبا، الشيء الذي أنتج الفساد والعنف في المجتمع، أما الإعلام في هذا العصر، فقد بات تجارياً بالمطلق، إذ تمثل الحقيقة لديه سلعة تباع وتشترى، أما ما يبثه للناس، فليس مبنياً على "الجمهور يريد هذا" كما يدعّي، إنما على تسريب نوع معين من المواد الإعلامية التي لا هدف لها إلا الربح، و جعلها ثقافة سائدة، يتكيف المتلقي معها، و يطلبها بالمقابل، بشكل لا إرادي، أما "الخروج عن المألوف" فهو المعيار الوحيد الذي يمكن أن يجذب زبائن اليوم.، وهذا ما سماه جارودي بثقافة "اللامعنى".

التكنولوجيا: الأم الإلهة.. لماذا لم تتمكن التقنية من حل مشكلات عالمها؟

يطرح جارودي فكرتين أساسيتين في هذا القسم، أولاهما أنّ الحداثة عبارة عن تجسيد للهيمنة الغربية و الاستعمار ليس إلا، و ثانيهما أن العلم لا يقف عند حد، وهناك نظريات علمية "النسبية و الكمية" حديثة غيرت سياقاً علمياً حوصر به الإنسان منذ زمن، وظنه اليقين.
ويعرّف الحداثة بمظاهرها، وأهمها سيطرة العلوم والتقنية على الحضارة، ونظام تختزل فيه كل القيم إلى سلع، والانشقاق عن التراث، عوضاً عن سيادة النمط الغربي في الحياة، ورأى أن الحداثة انتهت لكونها تغييراً من أجل التغيير فقط.

ماذا نفعل؟

القسم الرابع والأخير، خصصه الكاتب لمقترحات حلول، في محاولة للتخلص من المشكلات وتأثيرها، تلك التي خصص لها ثلاثة أقسام شرحاً وتفصيلاً.
وتتلخص الحلول فيما يأتي:
1- تنظيم الحرب الاقتصادية بتقليص السوق الأمريكي.
2- مقاطعة البضائع الأمريكية، وتبدأ بالأشياء البسيطة مثل الكوكاكولا والسجائر وأسطوانات الأفلام.
3- وضع نهاية للصدع الاستعماري.
4- مواجهة عقبة أسطورتي الحداثة والديمقراطية، بيقظة شعبية ناقدة للمجريات الحالية، إلى جانب التغيير الجذري للعلاقة بين أوروبا والعالم الثالث.
5- حل مشكلة الهجرة.
6- مشاركة الجميع في مقاومة اللامعنى.
7- إعادة بناء النسيج الاجتماعي، بشرط أن تشارك القاعدة فيه مشاركة حقيقية.
8- الإيمان بوجود نماذج مناضلة جديدة قادرة على الصمود، فالنضال لم يتوقف عند زمن أو شخص.
9- حل مشكلة البطالة، و ذلك من خلال عدم اعتبار العالم الثالث مصرفاً لفائض الاقتصاد الأوروبي المشوه، الذي ينتج الكثير من أجل الإسراف و القتل، دون اعتبار لحاجات شعبه و الشعوب الأخرى.
و أنهى كتابه، بفكرة ضرورة الإيمان بوجود أمل على الدوام، الشيء الذي يعزز القدرة على مواجهة التحديات المعاصرة .

قالت "قرّاء"

الكتاب قيّم، و غزير بالمعلومات المترابطة و المتتابعة، و المكررة أحياناً، مرتب بشكل جذاب لا يرهق القارئ في المتابعة، وأجمل الكاتب مشاكل كثيرة تعاني منها البشرية بطريقة واعية و موضوعية، ولم يكتف بالنقد، بل حاول إيجاد حلول لتلك المشاكل، أما الترجمة، فالواضح أن المترجمة عزة صبحي ليست متمكنة من اللغة العربية، إذ افتقدت الترجمة لأدوات الربط كثيراً، حتى ظنّ القارئ في كثير من المواقع أنه يقرأ اقتباسات لجارودي مترجمة ومرتبة، و ليس نصوصاً مترابطة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…