التخطي إلى المحتوى الرئيسي

15 أيار- هنا قلنديا


لم أدرِ من قبل، أن رمي حجر صوب جندي احتلال مدجج بالسلاح، يحتاج إلى قدر من الجرأة و الشجاعة، لم تملكه يداي، و لم يسطعه قلبي، الذي يتسارع نبضه كلما سمع صوتاً مدوياً، ظاناً أنه الرصاص، ليتضح أنه صوت قنابل الغاز المسيل للدموع، الذي التقيته المرة الأولى منتصف أيار على حاجز قلنديا، فالشهداء في قريتي كانوا يغادرون على مهل، و بلا ضجيج إلا حول أسوار بيوتهم، و كل المظاهرات التي سرت فيها، كانت أقلّ حدّة من أن يجتاحها ضباب الغاز، و الرصاص المطاطي و الحي و القنابل الصوتية!
جئت
أبحث عن أمل.. عن استثناء.. ورائحة الحنين إلى الوطن، و عن بعض ٍ منّي.. جئتُ أبحث.. فوجدتني بينهم، هؤلاء الشباب الذين لم يرضخوا ل "احتفاليات" النكبة التقليدية، التي تنتهي عادة بخطابات كاذبة، و أغان ٍ شعبية تعودنا سماعها في لحظات السلام، بدمعة و اشتياق، و بلا حراكٍ أيضاً!

في تلك اللحظات، أدركت قيمة الحياة فقط، التي تجعلني أهرب من الصوت و الغاز، و من أسباب ربما تقود إلى حتفي، و لم أكن كالذين قرأت عنهم، إلا أنني تذكرت دلال.. شعرت أن كلّ خطوة إلى الأمام، باتجاه العدو، تقربني منها، إذ كانت تلوح لي، و تهمس "لا تخافي".. و رأيت فارس.. فروحه كانت تحوم في قلب كل شاب حمل حجراً و مولوتفاً و حتى قنبلة الغاز التي تسقط إلى جانبه، كل شاب اختنق و احتمى دقيقتين، فيفك عنه الكوفية، و يتنفس هواء أنقى بقليل، ثم يلفها سريعاً، عائداً إلى الميدان، يحمل حجراً في كفه، و في الأخرى يحمل أملاً..

" هذا الضباب يلاحقني.. يستفزني.. أمسك بقطعة بصل.. أشمها.. لا فائدة!.. نغزات تحت عينيّ، و عينيّ تغمضان.. أفتحهما رغماً عنّي.. قدماي تخوناني،، سأقع.. سأقع.. لا، أستمر بين السير و الركض.. أغمض عينيّ، لا، لن أتراخى، جسدي يهبط رويداً رويداً.. لا أريد فقدان وعيي.. ألمح مدخلاً، فأعبره.. يناولني مسعف قطعة قماش مبلولة، أشمها، و أجلس سريعاً على عتبة أحد البيوت.. فأرشف بعض الهواء، محاولة إخراج السمّ من جسدي ببصقات و بعض سعال و عطس! "

رذاذ البصل الذي يسوق العيون إلى الدموع أثناء تقطيعه، يقاوم الغاز المسيل للدموع، و في هذا الموقع تحديداً، لم نشتـُـمه لرائحته الكريهة، إنما كنا نشتـَـمُّـه كما لو أنه نرجس أو ياسمين، فلا نشبع عبقه! وأن تعطي أحدهم بصلة، بمثابة هدية، فأعظم الهدايا تلك التي تأتينا وقت حاجتها، لتنشأ بينك و بين "الغرباء" علاقة بصل و ملح!

تعليقات

‏قال كريمة سندي
15 آيار هو يوم شرف لنا جميعا بارك الله فيكم قلوبنا معكم
‏قال رحمة محمود
كريمة.. سعيدة أنا بوجودك و متابعتك، و ان شالله يجدد أيار في قلوبنا التصميم الدائم على حقنا في استعادة أرضنا المغتصبة.

مودتي

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…