التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرة إلى "المثقف و السلطة"

 
ينظم المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد محاضراته التي بثت عبر إذاعة البي بي سي البريطانية (1993) في كتاب Representations of the Intellectual" " الذي ترجم إلى العربية بعدة أشكال، اختيرالشكل الذي أعده محمد عناني و اختار له عنوان "المثقف و السلطة" ، و يقع في 205 صفحات، تقاسمتها الستة فصول المكونة له، بالإضافة إلى مقدمة المترجم و الكاتب و لوازم النشر و الطباعة.
يفتتح سعيد كتابه بإيراد رؤيته للمثقف أو المفكر، الذي ينوي الخوض في الحديث عنه في الصفحات المقبلة، فهو ذاك الشخص الذي يصعب التكهن بما سوف يقوم به في الحياة العامة، و يستحيل تلخيصه في شعار محدد أو اتجاه حزبي معتمد، أو مذهب فكري جامد، و إن أكثر ما يشوه صورة المثقف في الحياة العامة، هو "التشذيب و التهذيب"، أو اللجوء إلى الصمت حين يقتضيه الحرص، أو الانفعالات الوطنية، أو الردة و النكوص بعد حين مع تضخيم صورة ذاته، مضيفاً بأن المثقف الحق هو الذي يتفاعل مع أوسع جمهور ممكن، لأن الجمهور الواسع هو السند الطبيعي له الذي يمده بالقوة.
و في الفصل الأول (صور تمثيل المثقف) يعرض لنا سعيد تفسيرات و رؤى لماهية المثقف و دوره في محيطه، و علاقاته بالآخرين، نظرّ لها مفكرون و فلاسفة من قبله، من خلال كتاباتهم الأدبية و العلمية، أمثال أنطونيو غرامشي، و جوليان بندا و ألفين جولندر، بالإضافة إلى ميشيل فوكو و غيرهم. و تظهر رؤية الكاتب الشخصية للمثقف من خلال تعقيباته على ما سبق، و بين كل فقرة و أخرى من صفحات الفصل الأول ، إذ يقول " إن المثقف أو المفكر فرد له رسالة، و هي رسالة فن تمثيل شيء ما، سواء كان يتحدث أو يكتب أو يعلم الطلاب أو يظهر في التلفزيون.." موجزاً بعض الصفات الهامة التي يتوجب على المثقف التحلي بها، كالواقعية و العقلانية و الكفاح، أما مهمته فتتطلب اليقظة و الانتباه على الدوام، و رفض الانسياق وراء أنصاف الحقائق أو الأفكار الشائعة باستمرار.
أما الفصل الثاني(استبعاد الأمم و التقاليد) فيناقش فيه مشكلة التذبذب التي يتعرض لها المثقف بسبب هويته القومية، التي تضعه في مواجهة الآخر، بقالب "نحن في مواجهة هم"، و البداية في وجود المثقف ضمن مجتمع لغوي، يتبادل مصطلحات و مفاهيم مشتركة، تشكل فيما بعد الطابع القومي، الشيء الذي من شأنه التأثير على المثقف، فإن نجح بذلك، سيؤدي ذلك إلى إلغاء العقل و الفردية في المسائل القومية، ما يجره لأن يصبح بوقاً للسياسة الجماعية،فيكون بذلك دخل حقل التعصب و الخوف بدلاً من حقل المعرفة و التواصل و المشاركة.
فالمثقف ليس الذي يرضخ لكل ما هو عام، إنما هو الذي يستطيع نقد المواطن التي يتفق عليها غالباً كالمقدس و الوطني و الأفكار الموصوفة بأنها نبيلة، أما الولاء فهو عائق أمام النقد، و يضعف المثقف، فمثلاً، حين يناهض حرباً قادتها بلد ما ضد أخرى، عليه ألا يتوانى عن مناهضتها إذا ما شنتها بلده. فما يقوده إلى الحراك ليس تبعيته إلى قومية أو عقيدة أو أي سلطة كانت، إنما تمسكه بالقيم العليا كالعدالة و الحرية و الإنسانية، و مناصرتها على الدوام.
و بين الولاء و الانتماء، ينتقل إدوارد سعيد إلى نقاش مسألة "المنفى" في الفصل الثالث (منفى المثقفين:المغتربون و الهامشيون)، إذ يخص المثقفين الذين يعانون حالة "البين بين" في بلاد لم تشهد منبت جذورهم، و يشعرون فيها بأنهم هامشيون، لا يملكون الحق في أن يتخذوا قرارات بشأنها،و إذا ما حاولوا، يواجهون بأنها ليست مواطنهم لذلك لا يقع ضمن شأنهم الخوض في شؤونها..
فالمنفي كما يصفه الكاتب هنا، لا يمثل تواؤماً كاملاً مع المكان الجديد، و لا هو تحرر تماماً من القديم، لذلك يحاط بأنصاف مشاركة، و أنصاف انفصال، فيصبح من واجبه الرئيسي إحكام مهارات البقاء و التعايش مع الحرص الدائم على تجنب خطر الإحساس بأنه حقق درجة أكبر مما ينبغي من الراحة و الأمان، و يورد للتدليل على رؤيته أمثلة حية لمفكرين عاشوا في غير ديارهم الأصلية، و مدى تأثير ذلك على حياتهم.
و يضيف سعيد، بأن المثقف المنفي يتميز بنزوعه إلى السخرية و الشك لا بل إلى المرح و الهزل، لكنه لا يستخف بشيء و لا يعرف اللامبالاة، و بأن شعوره بالمنفى يمثل حافزاً على الرفض عكس الشعور بالاطمئنان لما هو سائد، و ربما بذلك إن لم يعرض سعيد حلاً لتلك المسألة أو بالأحرى طريقة للتخلص من سلبياتها، فهو يقدم بتلك الميزات إيجابيات يتمتع بها المثقف المنفي، مؤكداً له بشكل أو بآخر، أن مرّ المنفى أفضل من الشعور بالأهمية الناتج عن الاندماج الهزائمي.
ما هو الخطر الذي يتهدد المثقف اليوم، سواء في الغرب أم في العالم غير الغربي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال، في ثنايا الفصل الرابع(محترفون و هواة)، إذ إن الاحتراف المهني بنظره هو الخطر، و يقصد بذلك، ميل المثقف للنظر إلى عمله الثقافي باعتباره شيئا يؤدي إلى كسب الرزق، ما يقوده لجعل نفسه قابلاً للتسويق، و قبل كل شيء لائق المظهر، من ثم يصبح "لا خلاف عليه" و غير سياسي، بالأحرى يغدو موضوعياً. و في ذات الوقت يستنكر اتهام جميع المثقفين بأنهم "يبيعون أنفسهم" لمجرد أنهم يكسبون رزقهم بالعمل في جامعة أو صحيفة، واصفاً ذاك الاتهام بالفظاظة و عدم الواقعية و التوازن بالنظرة إلى الأمور. و يطرح الكاتب نفسه مثالاً على تلك الحالة، و كيف أوجد المشكلة، و طرق حلها و التخلص من أسباب الضعف التي يمكن لها المس بمسيرته الفكرية، مؤكداً على أن التخصص يقتل الإحساس بالإثارة و الاكتشاف، و هما مهمان للمثقف. أما الهواية، فهي المفهوم المقابل للاحتراف، و تتمثل في ذاك النشاط المدفوع بنزعة الحرص و الحب لا بالربح و التخصص الأناني الضيّق.
"ليس قول الحقيقة للسلطة ضرباً من المثالية الخيالية، بل إنه يعني إجراء موازنة دقيقة بين جميع البدائل المتاحة، و اختيار البديل الصحيح ثم تقديمه بذكاء، في المكان الذي يكون من الأرجح فيه أن يعود بأكبر فائدة و أن يحدث التغيير الصائب" هكذا لخص الكاتب العلاقة بين المثقف و السلطة، في نهاية الفصل الخامس(قول الحقيقة للسلطة)، بعد أن عرض نفسه نموذجاً للمثقف الذي تعامل مع السلطة التي يعيش في إطار حكمها(السياسة الأمريكية) و تلك التي ينزع بالانتماء لمبادئها(م.ت.ف) .
أما الفصل السادس و الأخير(أرباب دائبة الخذلان)، فيكرسه للحديث عن أولئك المثقفين الذين تنقلوا بين مذاهب و عقائد مختلفة تمام الاختلاف عن بعضها، و لكن بذات الإيمان و الولاء و حتى الصدق في اختيارها و المنافحة عنها، و ذلك إن ارتبط بالمثقف، لن يمثل الطريق الصحيح أو التواؤم مع ما يحمل من أفكار و مبادئ، إذ أنه ببساطة ينتقل من عبادة رب لعبادة رب آخر، متناسياً روح النقد التي يجب أن تكون أهم ما يتحلى به، و عدم الخضوع و الجري وراء السراب فيما يمكن أن يشبع السبيل التي قرر أن يسلكها.و يبرز في الصفحات الأخيرة أهمية الاعتقاد بأن الأرباب دائماً ما تخذل عبادها، و بتخصيص الشرح عن مواصفات المثقف العلماني.
و أستطيع وصف الكتاب بأنه "مترابط فيزيائياً و بيولوجياً" إذ لايضيّع المعنى من القارئ،فكل فصل بني بالاعتماد على سابقه و كان مكملاً له، بحيث يجد القارئ الفصل الأخير منطقياً في نتائجه اعتماداً على الأسباب التي جاءت في الأول، بالإضافة إلى وضوح جهد المترجم، إذ لم أشعر للحظة أن أداة ربط في غير مكانها، أو أن أي مصطلح لا يتناسب و السياق.
أما التساؤلات التي تسربت عبر صفحات هذا الكتاب، لتربط بين خاصنا و طرحه العام، هي " أين نحن من كينونة المثقف؟ و هل التحلي بهذه الصفة باتت رغبة أم طموحاً، و إن كانت كذلك، لماذا؟ و هل ما زلنا نثق بهذا المثقف كما في السابق؟ أم أن انضمام الأكثرية من المثقفين إلى صفوف النظام و تطبيق نظرة"الجمهور عايز كدة" استطاع أن يمحو كلمة "مثقف" التي لازمت اسمه زمناً من العمر؟و ماذا حين يصبح المثقف هو الوجه الآخر السلطة؟!" نترك لكم الإجابة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفوز لحنان والتهنئة للرئيس!!

في صفحتها الأولى، نشرت صحيفة القدس الفلسطينية، في عددها الصادر، اليوم الثلاثاء، تهنئة للرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء رامي الحمدالله، مقدمة من وزير التربية والتعليم صبري صيدم، أما المناسبة، فهي فوز المعلمة حنان الحروب بلقب "أفضل معلم في العالم لعام 2016" إلى جانب الجائزة المالية وقدرها مليون دولار.

منذ مساء الأحد الماضي، إلى هذه اللحظة، ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي، تتناقل وتتبادل خبر فوز المربية حنان الحروب بهذا اللقب، من وسائل إعلام محلية وعربية ودولية وحتى من صحافة الأعداء، أو الإسرائيليين في رواية أخرى.
كل من المهنئين رأى في حنان نفسه، فالنساء اعتبرنه فوزًا للمرأة ونجاحًا لها، وحتى رجال كثيرون تبادلوا الخبر على أنه دليل انتصار المرأة رغم كل معيقات المجتمع الذكوري الذي نعيش فيه، فيما رأى أبناء مخيمات في فوزها فوزًا لهم، إذ هي ابنة مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين (بيت لحم)، ومديرية تعليم محافظتي رام الله والبيرة رأت في نجاحها نجاحًا لهذه المديرية، حيث تدرس في إحدى المدارس التابعة لها، أما طلبة وخريجي/ات جامعة القدس المفتوحة، فاعتبروه أيضًا فوزًا لهم، لأن حنان كانت يومًا …

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

مسلسل "Lost" واختبار الذات

رحمة حجة
أنهيت مسلسل   Lost الأميركي كاملاً، بأجزائه الستة، بواقع ١٢٠ حلقة و٨٦ ساعة، وإضافة للصبر، كانت مسألة البحث عن الذات.
المسلسل مبهر بكل المقاييس، لكن أول ما بحثت عنه بعد إنهاء مشاهدته، هو اسم الكاتب، فالقصة بتفاصيلها وأحداثها وشخوصها وتسلسلها وتداخلات الحاضر مع الماضي والمستقبل في سياق تشويق قل نظيره، كانت بالنسبة لي محور الاهتمام. ولم أجد كاتباً بل ثلاثة، هم: 
J.J Abraham
Jeffrey Lieber
Damon Lindelof
هؤلاء الثلاثة جمعوا في المسلسل بين الخيال العلمي والتاريخ والميثولوجيا والرواية الدينية (قصة البدء بقتل جاكوب لأخيه وتحرر الشر - بدء الخلق وهابيل وقابيل) والسياقات الاجتماعية المتمثلة بعلاقات الحب والكره والانتقام والخذلان والأسى والوحدة والعقاب والغفران، إضافة إلى البعد السيكولوجي، وهو فعلياً مخاض ذلك كله.
وللتوضيح لا يطلق عليهم كتاب وفق الاصطلاح التلفزيوني، إنما Creators وهو قد يكون كاتب القصة والسيناريو أو المخرج أو المنتج للحلقة أو جميعها.
بالتدريج
المتعة الحقيقية في استعراض القصص والأحداث في "لوست" هو الانكشاف والتكشف التدريجي وغير المتوقع أحياناً، إذ يتم في كل حلقة استعادة…