التخطي إلى المحتوى الرئيسي

زاوية حادة قليلاً!



صباح تنبعث منه رائحة الفلافل و البرد، قبل أن تدفئه الأنفاس التي ستملأ هذا الباص بعد أقل من ساعة، ليتجه صوب رام الله.. في رحلة من شمال البلاد إلى وسطها، استثناء عن النقلات الطبيعية المعتادة في بلدان أخرى،التي تتجه دوماً نحو الشمال، لكننا كفلسطينيين لم نفرح بعد بتحرير شمالنا المغتصب حتى يكون قبلتنا الحضارية!

جلست كعادتي، ليس بجانب أحد، إذ إنني في الباص تحديداً، أحب مشيئة القدر، لا بل و انتظاره، فمرة يبعث لي امرأة مسنة و أخرى شابة، منهن من يطيب لها السؤال، فأجيب، و أخريات يطيب لي محادثتهن فيستجبن، و المتبقيات يكتفين بنظرة صوبي، و يقضين الوقت بصمت، باستثناء (أقفلي النافذة،معك محرمة؟، قديش الساعة؟).. و لا أتذكر أني تكلمت مع إحداهن طيلة المسافة الواصلة بين جنين و رام الله، أو بين الأولى و نابلس،لا أتذكر .. كأن الله يبعث لي شبيهاتي من قليلات الكلام مع "الغرباء" ذوات الرغبة المستترة-أحياناً- في التعرف عليهم، و كثيراً ما يبعث لي القدر كرسياً فارغاً، فترافقني حقيبتي!

كانت النافذة جاهزة بما يكفي للانتظار، و نسيان البرد بالنظر خارج حدودها، فأشاهد السائرين باتجاه باص نابلس، و معظمهم طلبة في جامعة النجاح، إذ تشي بهم كتبهم و حقائبهم التي تحوي ما يلزمهم لقضاء أسبوع آخر-ربما أكثر- مع قليل من شوق الوالدين، أو ربما أحدهما.. و في منتصف المسافة بين باصي نابلس و رام الله، أقرب إلى الأول، يقف شخص يعرف على أنه "رجل فقراوي" في مجتمعنا، يضع يده على أذنه مذكراً إياي بطريقة الشيخ عبد الباسط في قراءة القرآن، و في يده الثانية سيجارة "عربية"، ينادي بأعلى صوته مغمضاً عينيه "نابلس.. رام الله..نابلس.. رام الله..نابلس......" ، من ثم يفتح عينيه، و ينفث الدخان، متأملاً في شيء ما، و مخرجاً دفتر ملاحظات صغير من جيبه، يكتب عليه شيئاً، لا يكمله حين يرى إحدى الطالبات تحمل حقيبة كبيرة في يدها، فيسارع نحوها ملتقطاً الحقيبة، و متجهاً لوضعها في المكان المخصص لها على جانب الباص.... من ثم يعود إلى مكانه في المنتصف، أقرب إلى باص نابلس، و يكرر النداء، تمر عليه مشاريع الركاب، لا يرون إلا مدخل الباص، لا يقولون له "صباح الخير" و لا "شكراً" لأنه أراحهم من حقائبهم، لكن لحظة، ها هو شاب يمد يده مصافحاً لصوته -الذي انتقل من أذنه خلال عملية النداء- فيبتسم بشكل يتناسب و هذا الصباح، بدفقة شعورية جميلة،و يعود... يثير تساؤلي رجل خرج و صبية من سيارته- يبدو أنها ابنته- و يتجه لوضع حقيبتها في المكان ذاته، لكنه يمر عن المنادي دون حتى أن يرد تحيته، إذ أشار له الأخير بيده، و ينظر إليه بصمت و تجهم، و بطريقة غريبة، كأنه شيء غريب!!

يجلس المنادي، ذو الوجه المكسو بالشعر، المرتبط بشعر الرأس، لا فواصل بينهما و لا حدود "فرزاتشية"، أما الجزء الواضح من بشرته، فتغطيه بقع سوداء، يجلس على الرصيف المحاذي لموقف الباصات، يفتح كيساً آخر من السجائر، و يشعل إحداها، و يبدأ النشيد من جديد، للباص الثاني، و باص رام الله لم يمتلء بعد...

أقرر أن أكتب عنه.. لكن تنتابني قشعريرة تخزني، تقول لي "هل راقبت حركاته لأنك فقط وجدت به مشروعاً لكلمات منتقاة؟ أو لأنك تشعرين بوحدته.. و بعزلته التي تكشف عن نفسها أمام جمهور المارة؟ و ماذا لو كنتِ مكانه؟ " .. لا أضيع بين نفسي و نفسي، فأجد سريعاً ثنايا الإجابات، و بقايا أسئلة أخرى!


* في نهار آخر، كنت عائدة من جنين إلى قريتي، و كان "هو" منتظراً على مفترق طرق سيارة تقله إلى ذات القرية، و حين فتح الباب، سارع السائق بالقول له "اجلس في الخلف" تعلو وجهه ابتسامة، لم ترق لي!



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…