التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ساعة واحدة- جسد واحد- عرض ثلاثي الأبعاد!


الصورة من عرضه في مقهى جفرا- عمّان


فكرة واحدة تخطرني الآن " ماذا لو حضر غسان كنفاني المسرحية؟ ماذا لو كان بيننا؟"
أظنه سيكون سعيداً.. إذ أن روايته بتلك المرونة كي تستوعب المستجدات في القضية الفلسطينية من جهة، و من جهة أخرى لأن عبقرياً يدعى يحيى البشتاوي أعاد ترتيب حروفه بتلك السلاسة العميقة المخلصة للأصل، المبدعة في التعاقب، و عبقرياً آخر يدعى غنام غنام تقمص الأمرين السابقين .. سيبتسم كنفاني.. لا، إنه يبتسم الآن!

و حيث الرواية تبدأ باسترجاع (Flash back) سعيد لأحداث النكسة و ما قبلها، حتى تلك اللحظة التي توجه فيها لحيفا، و تختلط اللحظة بالماضي و المونولوج الداخلي للشخصية، و كذلك المسرحية، التي حافظت على هذا النوع من الثبات في الجزئيات المهمة التي شكلت بنية النص الأساسي، و لكن بطريقة المسرح؛ كعرض موجه لجماعة، يحاورها أحياناً، و يجرها بشكل سلس للتفاعل، و ما أكسب عرض مسرحية "عائد إلى حيفا" اليوم (جنين) هو الإضافات، كالذي حصل في البداية، من إشراك الناس في العرض، حين دخلوا المسرح، و تفاجؤوا برد غنام غنام على تسليمهم بقوله "شكر الله سعيكم"، الشيء الذي جذبهم لمعرفة السبب من الأحداث التي ستلي، خاصةً بالجديّة التي حافظ عليها وجه غنام أمام تساؤلات الجمهور، ليجدوا أنفسهم تباعاً في بيت عزاء، الذي يمثل أول مشاهد المسرحية!

أضف إلى ذلك، الارتجال الحكيم، الذي يكسب النص قوة، و لا يخرج الجمهور عن نطاق المتابعة، بل ينقله إلى سياق متين متوائم مع ذاته، و من جهتي، أعترف بتحيزّي لهذه المسرحية، و بأنني لو شاهدتها للمرة الألف ستكون كما أول مرة، بذات الدهشة.. بذات العمق.. و بذات الوجع!

إن التوقعات عادة لعرض الرجل الواحد(الأداء المنفرد) تكون بأننا سنسمع تغييرات في نبرة صوت المؤدي، حيث سيكون ناعماً أو حاداً لشخصية امرأة مثلاً، و مفخماً و ذكورياً لرجل، و ناتئاً لعجوز، و هكذا... إلخ، و بذلك تظهر قوة الممثل، و موهبته في التقليد و التقمص، لكن المذهل في عرض غنام، أنه لم يغير سوى طبقة الصوت(المرتفع- المنخفض- ما بينهما) فسمعنا صوت غنام فقط، ساعده في ذلك تغيير اللغة و اللهجات و تبديل القبعات و المرواحة بينهن و بين الكوفية الفلسطينية التي تتحول من مكتوفة الوضعية للأب(سعيد) إلى وشاح حول العنق(خالد) إلى حجاب(صفية) حتى أنه مثل بها خارطة ، و كل حركة في مشهد تصلح لأن يلتقطها مصور فوتوغرافي محترف(الناحية الجمالية في العرض).. و هنا يكمن الابتكار و عنصر الدهشة للمتلقي، الذي يلحظ أدوات أقل من المتوقع على خشبة المسرح، لكن تحولاتها و استخداماتها المختلفة تجعل منها أداة لينة في يد الممثل و مبهرة لناظر المتلقي حين تسهم في توسيع أفقه.

استطاع غنام في تجسيده للوحة العودة، المزدحمة بالأفكار، و المشاهد، و الكلمات، أن يشدّ المتلقين معه لآخر لحظة، دون أن يشعر بالملل، فالمرواحة بين طبقات الصوت، و تحركاته في المسرح، و الموسيقى المصاحبة للمشاهد، بالإضافة إلى توجيه الحديث إليهم أحياناً، جعلهم كل لحظة في انتظار ما سيحدث اللحظة التي تليها، عوضاً عن عدم الشعور بالنقلات بين الشخصيات المتعددة التي جسدها، إذ تداخلت مع بعضها بشكل ينسجم و تهيئة المتلقي لاستيعاب النقلة.

و بالرغم من محاولات غنام في جذب الجمهور كي يردد معه بعض الكلمات، إلا أن الجمهور في مسرح الحرية لم يساعده كثيراً، و على سبيل المثال حين بدأ بتعداد البلدان التي سيطر عليها الاحتلال عام 1967، و كان يبطئ سردها بين البلدة و لاحقتها و حرف "الواو" ربما لدفعهم إلى التفاعل بالتعداد معه.. لكن لم يكمل أحد!! برغم هذا استمرّ بنفس الدافعية و الرغبة في العطاء، حيث ظل صوته كما يجب أن يكون، و حماسه أيضاً كذلك.

و ربما كان أكثر شيء لافتاً في عرض غنام، أنه لم يصمت ثانيةً واحدة أثناء تحضيره لأدوات كل مشهد(للمثال ليس للحصر.. حين حول السجن إلى بيت)، الشيء الذي أسهم في متابعة كل حركة يؤديها و التقرب من حيثيات صياغتها، حتى أنني لاحظت أحد المشاهدين ينظر إلى الدرجات التي جلس عليها غنام في أحد المشاهد فقط لأن الأخير كان ينظر باتجاهها، و أقصى من هكذا دقة بالمتابعة لشيء، إن دلّ فلا يدلّ إلا على ذكاء الممثل و قدرته على جذب المتلقي أمام،ه بكل ما يملك من إيماءاته الجسدية (الصوتية منها و الحركية)..

و إضافة إلى الأسباب السابقة التي جعلت منه عرضاً يجب ألا يفوّت، هو أنه يثير التساؤلات لدى المتلقي المدرك لخطورة المرحلة، و خطورة ما طرح في النص، برغم قدم أصله، إلى أن تفاصيله ما زالت قائمة و معاصرة، و تساؤلات أخرى لصالح "أين نحن من قضيتنا؟" ، و ماذا نعرف عنها؟ و كيف ننقل ما نعرف للأجيال القادمة بشكل معاصر يتواءم و التطور الذهني لعلاقتنا بالأشياء، دون خدش أصل الفكرة و المبدأ الذي لا غنى عنه كي نحدد إلى أين نحن ذاهبون، آخذين بعين الاعتبار، ما كان.. و ما يجب أن يكون!





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…