التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"نا" الاثنين !


كانت رائحة الجبن البلدي تسيطر على هواء "المدينة"، الذي تنفسه آلاف المارقين في شوارعها، و عجت الساحاتبهواة التصوير الفوتوغرافي، و آخرون بتذوق حلوها الذي أكسبها شهرة إقليمية. و كنت أنت على مقربة من تلك الحشود، تستجمعني بذاكرتك و عينيك، و أنا لا أراك!

ككل مرة، سرقنا ذلك الوقت من القدر معاً، و سرقته منك بحذر، كي تلاحظ أو لا تلاحظ انفعالي الطفولي جراءلقائك، فلا فرق! لكنني أردت وقتها أن لا يعنيني هذا كله، فهذه لحظات استثنائية، لن تتكرر مع شخص يشبهك على الأقل، لكنها ربما تتكرر مع شخص يحمل صفات منطقية تجعله إنساناً وسط أشباح الحاضر، فأنا صرت أؤمن بوجود الكثير من الأرواح الاستثنائية بجمالها، لكن التي تستحقني لم تأت بعد.

و بما أن شيئاً في أعماقي يدرك أنك تحمل بعض الجمال، قررت أن لا يضيع مني في زحمة هذه "المدينة" التيركدت منذ زمن، و تجددت فيها الحياة إنعاشاً لحركة التجارة كما أخبرتني، لنتفق على جولة، بالأحرى على عمر تم تأجيله، و ماض لذاكرة مقبلة، سأحن لها وحدي.. أيضاً لا بأس.. ما زلت سعيدة!

حين وجدتك في بداية ذلك العمر، قلت لي " إن اثنين يبحثان عن بعضهما لن يجد أيّ منهما الآخر" تنبيهاً لي بأن عليّ البقاء في مكان حددته لشخص يبحث عني، و لا أفتعل الدوار كي أسبقه، و حيث أنك لم تقلها بقصدية عاشق، فهمتها أنا بمكر امرأة تنتظرك، و خرجت بنتيجة مفادها "أن على أحد الطرفين البحث عن الآخر كي يلتقيا" ؛ لذلك فضلت أن أكون هذا الآخر!

كأولى دهشتي بك، تحدثني عن ارتباطك بتاريخ تلك الأمكنة، و صداقتك مع حجارة بيوتها العتيقة، و نوافذها المدلاة بعناية، دون أن تفتح ستائرها للغرباء، أو يتبخر من خلالها صوت امرأة يدلل على حياة أصحابها، فوحدها النباتات النضرة، و المياه المتدفقة من أنابيب الصرف الصحي، تعطينا إشارات بأن الحياة ما زالت بصحة جيدة، داخل تلكالجدران!

تحيط بناظريك كل زاوية و رصاصة و صوت مدفعية، و تشيح بسمعك عن أجواء الأعراس في "المدينة" ؛ ليخترق صمتي أذنيك، فوحده القادر على حثـك متابعة الكلام، و نسج التفاصيل التي أعنى بها كي أحفظها آجلاً عن ظهر قلب، لا كي أقف في محطاتها و أدقق بمدى صوابها أو خطئها، فلست الآن في معرض حوار سياسي، إنما في مأزق تاريخي أحاول الخلاص منه بمتابعة يديك و صوتك الذي يتأثر بحركتهما حين توضحان مغزى الأمور.

- أظنني أثقلت عليك هذا النهار بتلك الجولة....

- لا تهتمي، فقد تعودت على ذلك، و لا يفتأ أيّ من أصدقائي الاستنجاد بي حين زيارتهم هنا

أفكر.. لن يعنيني التشبيه بيني و بين الآخرين، و بعاديّة الأمر لديك، و بأن كونه معي لن يختلف عن كونه مع غيري... كل هذه تداعيات شيطان يريد أن "ينغصّ" علي، فأعوذ بالله منه، و أعود إليك، وحدك..

يغيظني ذكرك لاسم فتاة أخرى، و يفاجئني "دفاعك عن نفسك" بأنك لست على علاقة وطيدة بها، رغم أنني لم أسألك،و لا يهمني التدخل في خصوصياتك، إذ يهجسني أنني لست فاتنتك! .. و "حبيبتك يوماً ستأتي كي تبادلك الوفاء، فلن أفرح أو أهلل أو أفكر أو أحلل" لما لن يحدث بيننا، تفادياً لأعراض عشق جانبية، فأهم ما في الأمر أنني أدرك مكانتي و أدرك كذلك ضرورة أن أفرح و أنتشي بنكهة السعادة التي أضفتها على يومي هذا..

و طبعاً هذا لا ينفي أنني في زمن ما.. أحببتك.. و تقصدت الهروب منك دوماً، من أول التفاتة لصوتك في ذاكالصيف الغابر.. و صدقني، ما زلت أمارس الهروب منك، لتجنب البكاء حين تغدو بعيداً .. بعيداً، فأنا لا أحتمل رحيلاً آخر، بالأحرى لا أحتمل انكسار حلم، و انعكاس حقيقة أدركها في أعماقي، و أحافظ عليها كسرّ يودي كشفه إلى فضيحة!! لذلك، سأؤمن بأنك ككل الأشياء الجميلة، تحافظ على خاصيتها بأن تبقى بعيدة، كوطن طالما تطلعت إليه، لكنه ما زال جميلاً و بعيداً !


تعليقات

‏قال باسل جمعة
أسلوب جميل جدا اعجبني الوصف والكلمات مختارة بعناية.
لما لا تشاركي في مسابقة ناشرون؟

http://nasheron.com/documents/2/126/1

باسل جمعة
http://baselbj.blogspot.com
‏قال رحمة محمود
شكراً لك مرة لملاحظتك اللي أسعدتني.. و أخرى لأنك زوددتني بهذه العناوين، التي سأحاول الاستفادة منها قدر الإمكان.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…