التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظارة بلا عينين!


" لمّا بيتحرر وطنّا بنصير نهتم بالبيئة النظيفة".. هذا ما قالته طالبة من الجامعة العربية الأمريكية أثناء التحضير لجدارية بالرسم و الكلمات في ذات الجامعة، حين اقترحتُ عليهم رسم شيء يتعلق بالحق في الحياة ضمن أجواء صحية و نظيفة. ربما كان كلامها صحيحاً، لذا فلتحيا "العفانة" و لتحيا القطط الضالّة على بقايا النفايات المنتشرة في الشوارع، و يحيا البعوض إله الروائح العطرة!... عذراً فنحن مشغولون بتحرير البلاد و حماية التاريخ المستلب !!


هذا كان جزءاً من حوارات لم أكن الطرف المتقبّل فيها بشأن حقوق الإنسان، إذ أخطأت و اعتبرت نفسي إنسانة قبل أن أكون فلسطينية، و بات يعنيني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فأنا الآن في ورشة رسم ترعاها مؤسسة تعنى بعلاج و تأهيل ضحايا التعذيب، إذ سيخدم النشاط توجهاتهم الإنسانية في المهرجان الذي يحتفي بذكرى إعلان تلك الحقوق..


كنت منزعجة طوال الوقت لأنني لم أمنح فرصة لكتابة أو رسم شيء مختلف عن رسوماتهم المتعلقة بالاحتلال.. لكن هل سيستوطن كامل جداريتنا هذه مثلما استوطن أرضنا بالكامل؟؟ و هل نتمتع بكامل الحقوق الأخرى من ال 30 حقاً الواردة في ذاك الإعلان العالمي و نمارسها يوميا دون ضغط و استفزاز من شيء غير الاحتلال يتمثل في السلطات الأخرى.. من أسرة و مجتمع و قبيلة و حكومة و مدرسة و جامعة و ..... إلخ من أصنام العصر المخضرم بين العصور؟؟


- شو معنى هاي الكلمة "ينشمل"؟؟
- بالشعر مش مهم تعرفي معنى الكلمة، المهم الكلام كلّو على بعضو
- حتى بالسياق مش حاسستها واضحة!
- نظر باستخفاف "انا بعرف معناها، بس مش ضروري احكيلك ياها"،، طيب بتعرفي شو معنى زحازح.. و ...؟؟
- لا والله ما مروش علي!! على كل انا بكتب شعر و بعرف الشعر، بس طلبت منك المعنى اللغوي مش الشعري..

بينما كنت أساعده في تحديد كلماته "الشعرية" باللون الأسود، متقبلة ملاحظاته على طريقة تلويني، لأنه الإنسان "بيتعلم من غيره".. لكني بصراحة شعرت بالغباء إذا استمريت في تلوين كلمات تدعي الشاعرية و هي تخلو تماماً إلا من العجرفة البادية على صوته، و هذه ظاهرة أخرى من ظواهر العصر الحديث في فلسطين، أن من يكتب سطرين يظن نفسه أديباً و يطلق لقباً على نفسه، فيفرض نفسه على المجتمع.. و لم لا،، فهو شاعرهم الفصيح، و كاتبهم المليح؟!!

و في شيء مشابه لهذا الحوار، قالت طالبة لم تتعد عتبة القاعة التي نرسم فيها " ياي بحب الرسم كتير و أنا رسامة أصلاً، بس لو معي وقت كان شاركتكم.." و كررت كلمة رسامة ثلاث مرات تقريباً.. شكلها رسامة!! هل هذا غرور أم ثقة زائدة بالنفس؟؟ لا أدري، ربما أنتم تدرون!!

ها أنا وجدت متنفساً أخيراً، حين بدأت الحوار مع طالب يهوى الرسم، و يعبر بقلمه عن قضايا تشغل باله في الحياة الجامعية، فساعدني برسم فكرة خطرت لي، لأتناقش و إياه عمّا يجري من نمطية في الطرح بين صفوف الطلبة المشاركين، إذ بدا أن كلا منهم رسم شيئاً يرسمه مرارا و تكرارا دون الالتفات فيما إذا كان وثيق الصلة بالموضوع المراد التعبير عنه "يمكن لأنا اتعودنا نرسم بالمدارس عن
موضوع معين و كان حقنا منقوص في التعبير الحر فلقينا الفرج في هاي الورشة" لكن الصدفة شاءت أن يتوحدوا في طريقة الرسم و التلوين، و يحكمهم الموضوع...."الاشي طلع بالدم مالوش فرج"!!

- الفار بحكي "ابحث عن وطن" يعني بتشبهي الفلسطيني بالفار؟
- نظرت إلي و كأنها مجبرة على الحديث معي "لا هاد الشخصية اللي بعتمدها في رسمي الكاريكاتير"
- آهاااا منيح.. قلت بعقلي يعني متل حنظلة و ابو العبد و ....

لا أعرف لم أنا سطحية لهذه الدرجة،، ربما تستهزئ بالوضع و تعتبرنا كالفئران المشردة!! و ربما لأن الصورة الذهنية للفأر مرتبطة لدي بالمسلسل الكرتوني الشهير "توم و جيري"، إذ يمثل اليهود الذين يستهزؤون بالقط (العرب) الذي يبدو أبلهاً غبياً لا يحرز أي نصر... أنداري،، هي حرّة !!

حضر الورشة "فنان" هكذا كانت تناديه المشرفة على سير النشاط، إلى أن عرفت من هو و تذكرت أنني كنت أشاهد لوحاته في الماضي و كانت تعجبني طريقته في الرسم، و لكني لم أعرف أن للفنانين ميزة في "الجوع" تميزهم عن غيرهم، حيث أحضرت له المشرفة طعاماً مهملة جميع الطلبة الاخرين الذين حضروا منذ الصباح و استمروا إلى أولى ساعات المساء، ليتساءل هو "لم لي وحدي هذا الطعام؟؟"
- لأنك الضيف الوحيد و الآخرين من أصدقاء ال TRC ؟
و بدأ الفنان "يعزم عالجميع" و يدعوهم لمشاركته في طعامه.
طلعت ال TRC كريمة و الفنان بيستاهل !

بعد ضغط و شد في أعصابي و محاولة خرط نفسي في الجو "الفني و الشاعري" تذكرت.. قضيتنا قضية سياسية أصلاً.. و من السذاجة معاملتها بحقوق إنسان من خلال جميع الرسومات المطروحة، و ها أنا منذ أربع ساعات في مناطحة السحاب لم أفعل شيئاً سوى أنهم أسهموا في رفع ضغط دمي، و بالنسبة لحقوق الإنسان؟؟ أي إنسان تحديداً؟؟ و بمفهوم من يعرّف؟؟ بمفهوم الأمم المتحدّة التي علمتنا مصطلح "اللجوء" و "الطحين" و "الحليب المعلب في صدور باردة" ؟؟ الأمم المتحدة التي تسمح بال "فيتو" لكبريات الدول و أكثرها قهراً ذات الباع الطويل في "الاستعمار" و الاستبداد، الشيء الذي يسحق و يفتت معنى كلمة "حق" يستطيع أن يتمتع بها أي إنسان على وجه هذه الأرض؟؟
أحكيلكم... ما بتعنينيش حقوقكم، أصلاً إحنا بالفطرة بنعرفها، و مش بحاجة لهالإعلان..و لا ورشتكم كلها.. مع السلامة "قلت في سرّي"..!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…