التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إلى هناك..

تسير غادة إلى مكان ما.. تجرّ خطواتها بتثاقل، مارة في ذاك الشارع الذي يقف الباعة على طرفيه، و يحاورونها لحظياً محاولة منهم في جذبها لشراء شيء ما، لكنها لا تراهم، فأمامها خط من الأمنيات تسير عليه و خلفها خط آخر من الخيبات تحاول تجاوزه.

يلمع العنب الأسود و الأخضر إلى يمين طريقها، و تلمع إلى جانبه عيني امرأة تلبس ثوباً تبدو عليه معالم الوطن، بترتيب غير اعتيادي عما يجري هذه الأيام، تحرف سيرها خطوة واحدة باتجاه العنب.. لكن خطوة واحدة و عيني امرأة يشع منها أمل التخلص من كيلو واحد لا تكفيان لتقدمها خطوات أخرى، و كأنها وجدت نفسها في طريق خطأ، لتحرك قدمها باتجاه الخط المستقيم الذي رسمته، و تكمل سيرها، لا ترى شيئاً، غير أفكار تتابع في مخيلتها حول الأماكن التي اعتادتها هنا، و تضيع.. تضيع في غيبوبة المدينة التي أحبتها دوماً، لكنها باتت الآن أحد مسببات اختناقها..

تفكر بكل هذا العالم المتهالك أمامها، من أقصى لافتات المحلات الآيلة للسقوط، مرورا بأصابع الرجل الستيني المنتفخة، الذي يجرّ عربته هو الآخر بتثاقل، بين طلبة المدارس في موعد "الرواح"، علهم يزرعون في روحه وردة حين شرائهم من عربته بعض البليلة و الترمس ! حتى الأشياء التي تركتها منذ زمن و لم تعهد تغيراً فيها، فبائع الفلافل ما زال على الناصية، و المخبز ما زال يحيل العجين خبزاً بأشكال معروفة و محدودة، و الشمس تسحب الشباب من جيل اعتاد الوقوف في وجهها، حتى ينزف عرقه من أعلى جبينه إلى أخمص قدميه، و المستريحون على أبواب المسجد، و نظرة الواعظات في الحلقات القرآنية الأسبوعية إليها باستغراب حين تدخل ردهة المسجد، لا لتصلي.. بل كي تستريح من عناء الوحدة، فتخلع حذائها و تستسلم للراحة بعض ثوان حين تمد رجليها مستشعرة ألم الأصابع المنتفخة و المحمرة، لترسم خريطة الغد، ماذا يمكن أن يحدث فيه، أو حتى ما سيصير حقيقة بعد لحظات.. ثم تخرج مفعمة بشيء من التصميم، و تكمل سيرها إلى مكان ما..

بين جنين و رام الله و نابلس، و المناطق الفلسطينية التي لم تزرها غادة، قواسم مشتركة في الارتفاع، تراها بعينين من زجاج، فهذه البنايات و أعداد البسطات و الخيبات و العاطلين عن العمل و الأمل و ضغط الدم في ارتفاع، و سعر كيلو البندورة و سندويشة الفلافل و غرام الذهب أيضاً في ارتفاع، و أعداد البزات العسكرية التي تتمشى و تتعشى على حساب ميزانيات البزّات الأخرى ترتفع، و الأقساط الجامعية و الأوراق البيضاء في انتخابات مجالس الطلبة في ارتفاع، و الوجوه المبتسمة في إعلانات وكالة التنمية الأمريكية في ارتفاع، فربما تحلم أن تتحول ابتساماتها ضحكات حين يرتفع الفك الأعلى بعيداً عن الأسفل، حتى أصوات الناس، لكأنهم أبدلوا بأفواههم أبواقاً، و رؤوس المحجبات المحشوة بأشياء غير الشعر ترتفع أيضاً، و كأن الفتيات يتبارين للوصول إلى أعلى قمة جبل مصاحب للرأس في كتاب غينيس، شيء لا يذكرها سوى بعصر الجواري و أسواق النخاسة!.. و ما زالت تسير إلى مكان ما..
يلتقط انتباهها صحافي يمد ميكروفونه بحزن نحو المارّة، و لا أحد يريد إليه الكلام، و حين يسألها توافق على إجراء مقابلة، فتعترض جبينه ابتسامة لا تفتأ النظر إلى الورقة و البدء بإمطار علامات الاستفهام
- ما رأيك بحرية التعبير في بلادنا و تدخل الأجهزة الأمنية في التظاهرات الشعبية؟
- بصراحة أنا أعبر عن رأيي بكل حرية، و لا يمنعني أحد عنه، إلا في القضايا البسيطة التي أتناقش فيها مع أمي، كقضية الواسطة في العمل و الزواج التقليدي!! في حين لا أخفي أي رأي مضاد أو مشاعر مغايرة عن الآخرين، لكن أجبني أنت، لم نزعت اسم التلفزيون الذي تعمل لصالحه عن ميكروفونك !!
...... يكمل الأسئلة، و يقول شكراً.. و تمشي، تمشي، إلى مكان ما...
ها هي تستقلّ سيارة صفراء كحظ بلادها العاثر، ظانةً أنها قد تستريح من أفكارها فتصاب ببلادة انفعالية تجاه الأشياء التي تنفصل عنها بتسارع مختلف، و صوت أغنية يتسلل إلى أذنيها..
راحت حاجات من بعدو و جات حاجات
لكني لسا بعيش على أيام زمان
و اللي باقيلي مي اللي فات
شوية زكريات
و لسا فاكرلو حكايات بصبروني ف وحدتي
.............
...............
...................
تغض سمعها و بصرها عن طقوس هذه الأغاني المغرورقة بالدمع، لتتجه بعينيها صوب ما بعد النافذة، فترى ذاك المبنى الكبير الذي يشبه في طلة نوافذه التي تتجاوز المئة في عددها طلة نوافذ الكولوسيوم، فيشع بريق "ماذا لو أطل وجهي يوماً ما من إحدى هذه النوافذ أثناء ممارستي للعمل الذي أحب، و هل يعقل أن لا يحتويني مكان في كومة المكاتب المقرر افتتاحها بعد حين في هذا المبنى؟!".. ينحدر البريق ثم يختفي حين تهب ريح فكرة أخرى "المكاتب منذ الآن تعرف أصحابها و تتجهز لقدومهم، أما أنت يا غادة فلا أعثر ملامحك بينهم.."، تبتسم بسخرية و تكمل طريقها إلى مكان ما..

يتهاوى اسمها من بين حشد، فتدير ظهرها للمارة، و إذ بها صديقتها..
- صديقتي، يا لهذه المصادفة الجميلة!!
تحرك شفاهها بابتسامة، و عيناها ما تزالان في وضعية الثبات، فتحضنها صديقتها قائلة "أين أنت؟؟ اشتقنالك"
- و تضمها هي الأخرى قائلة"ها أنا عندكم"..
- ما كل هذا البرود و لم نر بعضنا منذ شهور؟
- ربما كنت هكذا لا أدري، ربما سأصير أفضل، أو أسوأ، لا أدري..
- يا إلهي، عهدتك يقينية الحروف، حازمة الرد!
- و مم تشكو قوانين الاحتمالات؟!
- ليست أنت!
- ستصبح، و أصبح هي، الآن، أو بعد حين.. أو ربما أصبحت
تصمتان بعد حوار مسروق من وقت الشارع، و تتفقان على موعد حال سماح القدر و طوعية الذاكرة، و تشد صديقتها على يديها بحرارة افتقدتها قائلة "سنلتقي؟"
- ربما يجمعنا هذا العالم ...
تقطع حديثها
- سنلتقي.
تبتسم غادة "كما تشائين"..
تشعر برغبة عارمة بالرقص، و الدوران حول نفسها، و إغماض عينيها عن كل ما حولها،و تبدأ برفع أصابع قدميها عن الأرض رويداً رويداً، ثم تفرد ذراعيها و تحنيهما أسفل ثم أعلى فأعلى فوق رأسها و بمحاذاة خصرها، من ثم تمدهما أمامها على وقع ألحان...

Cet air qui m'obsède jour et nuit
Cet air n'est pas né d'aujourd'hui
Il vient d'aussi loin que je viens
Traîné par cent mille musiciens
Un jour cet air me rendra folle
Cent fois j'ai voulu dire pourquoi
Mais il m'a coupé la parole
Il parle toujours avant moi
Et sa voix couvre ma voix
Padam.. Padam.. Padam

تستفيق من هذيانها ثم تصرخ بوجه الحياة.. "سأكون يوماً في مكان ما.."

قصة قصيرة

تعليقات

‏قال ميسم
رحمه حجي
سرد رائع لنص جميل للغايه أخذني الى هناك قراتني وقراتك في سطوره
ربما كلنا غاده
فأمامها خط من الأمنيات تسير عليه و
خلفها خط آخر من الخيبات تحاول تجاوزه
‏قال رحمة محمود
وجودك هو الرائع.. صدقيني،،
فأنت تضيفين معنىً جميلاً للأشياء حين إبصارك إياها


محبتي

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…