التخطي إلى المحتوى الرئيسي

61 عاما.. و بعض من ذاكرة الرحيل





"أجت حرمة تركب في الباخرة و كانت حاملة مخدة ، فسألها جارها أبو أحمد عن اللي حاملتو فقالتلو انو ابنها، فقالها والله لروح أجيبو، و راح بيتها و لقي ابنها بالمهد كان عمره(10-12) يوم حمله و جابلها اياه، فلما أعطاها اياه حضنتو و صارت تحبب عليه.."
روى أبو محمود ذلك ثم قال "الله يرحمه و يجعله من أهل الجنة"، كانت قصة تلك المرأة إحدى عشرات القصص المماثلة لنساء هربن دون وعي تاركات أطفالهن و حملن المخدة (الوسادة) بديلا عام 1948 خوفا من مداهمات التنظيمات الصهيونية لقرى و مدن فلسطين، عاد ذلك الطفل لأمه، و لكن.. عشرات الأمهات غدون ثكالى

محمد محمود أحمد مراعبة (3/6/1926م)، يحدثنا عن عمله و أحواله و أفراحه بل و حتى أتراحه مرفقا معها تواريخا تدل على ذاكرة صلبة، يسمع أذانه يوميا سكان يختلفون في قراهم ، لكن تجمعهم جنين، لا يمل من الحديث عن ذكرياته و زوجته و أمور دينه و دنياه، موجها العظات أحيانا، و أحيانا أخرى يطلق النكات بما يتناسب و شيبه الذي يكسو لحيته و ينسى حاجبيه، لا يمشي دون عصاه السوداء و قطع الحلوى "الملبّس" التي تملأ جيوبه، فيعطي كل من يلتقيه نصيبه منها.

عمل أبو محمود في شبابه موظفا في قسم الحركة بسكة الحديد، و هو أحد أقسام أربعة، هي الجر، و الهندسة، و الأدريسة، بدأها في سمخ (1943-1944)م من ثم انتقل إلى بيسان (1945-1946)م و استمر في قسم الحركة منتقلا إلى حيفا، حتى أواخر العام 1947م.


الباخرة
و في حيفا أرخت باخرة للتجار اليهود مرساتها، لتشخص على ميناء حيفا من جهته الشمالية فارغة من أي شيء، استغرب الناس ذلك ثم همس كل منهم للآخر "عمرها ما إجت فاضية.. بدهم اليهود يشغلوا الناس عمل بدون أجرة!!" ......................... " بلشت المدفعية تضرب" هكذا بترصد و دون سابق إنذار، أغلق المسلحون من اليهود جميع المنافذ من حيفا إلا البحر، و قصفوا سوق الشوام، و ساحة الجرينة، و شارع الناصرة، و وادي النسناس في حيفا، لا مكان للخروج إلا الباخرة، هرع الناس إليها مخلفين بيوتهم و أملاكهم، و استمر الحال من الساعة الرابعة مساء حتى الواحدة صباحا لتنطلق بعدها رحلة العودة التي ما اكتملت.
يوضح أبو محمود بأنه لم يستقل الباخرة، لكنه ركب في سيارة للجيش الأردني، كانت تسير إلى جانبها سيارات للجيش البريطاني(الإنجليز)، يستذكر هنا بأن الضباط الإنجليز كانو يدربون اليهود على حمل السلاح و استخدامه، بينما من كان من العرب يملك "فشكة فاضية" يحكم عليه بالإعدام، و في إحدى المرات ضبط ابن عمه مع "فشكة فاضية" و "كانوا بدهم يعدموه لولا ترجاهم" ثم حبسوه بعدها في المزرعة شمالي عكا، صمت قليلا ثم قال "كل البلاء من الإنجليز" ، يستطرد أبو محمود موضحا بأنه ظل في سيارة الجيش الأردني حتى وصل حدود قريته زرعين (11 كيلو مترا شمال جنين) هنا يطلق أبو محمود بصره نحو السماء قائلا "الله" بمد لامها، ثم أكمل، بأنه بقي في البلدة مع أهله متذكرا مناضلين قدموا من دير الزور(سوريا) بأنهم جاؤوا كي يحرروا البلاد و أثناء استحضاره لوجودهم ضحك قائلا "أجو يوكلوا لحم و ما أجوا يحرروا" ثم وضح بأنهم كانوا يطلقون النار على سيارات اليهود من بعيد على الطريق بين العفولة و بيسان و لم يقتلوا أو يصيبوا أحدا !!


خوفاً...
هاجم اليهود زرعين، و قاومهم أهلها، هنا يقول أبو محمود بأن الله هو الذي قواهم فالقوة من الله وحده، ردعوا اليهود حتى هربوا، لكن الأهالي توقعوا عودتهم مرة أخرى، لذلك جهزوا أنفسهم و حضروا أمتعتهم راحلين.... رحلوا خوفا في 19/5/1948، مشى مع ذويه، و حسب وصفه، كان خلفهم أناس و أمامهم آخرون، سار حتى وصل عرابة (13 كيلومترا جنوب غربي جنين) و مكثوا هناك عند أقارب لهم "خصصوا النا عقد من دارهم و قعدنا فيه" (العقد هو غرفة و لكن على طراز قديم يكون سقفها مقوسا و بابها مقوس يمتاز ببرودته في الصيف و دفئه في الشتاء) و يوضح لنا بأن أصل عائلتهم من عرابة لكنهم ذهبوا إلى زرعين للعمل(1915م) و استقروا فيها إلى أن حدث ما حدث.. و حين سؤاله عما حل بزرعين حسب ما علموا من أخبار، أجاب بأن اليهود هاجموها بعد ليلة أو ثلاث ليال من رحيل أهل القرية، لكنهم لم يجدوا أحدا. (استولت الكتيبة الرابعة من لواء غولاني على زرعين في 28/5/1948، وهي الكتيبة نفسها التي استولت على قرية نورس المجاورة، وقد حدث ذلك في أعقاب احتلال وادي بيسان إلى الشمال الشرقي، وفي سياق التمهيد للهجوم على جنين. وتؤكد صحيفة "نيويورك تايمز" ذلك، مستشهدة ببلاغ رسمي صدر عن الجيش الإسرائيلي في 28 أيار/مايو وأعلن الاستيلاء على القرية، مضيفاً أنها تقع "على أحد الحدود الفاصلة التي وضعتها الأمم المتحدة في إطار مشروع التقسيم". ولم يصادف المهاجمون "مقاومة تذكر" في زرعين/ من كتاب كي لا ننسى لوليد الخالدي)

كان لنا...


يصف أبو محمود بيته في زرعين، إذ كان يقع في الناحية الشرقية الجنوبية من زرعين، فيه غرفتان للنوم، و غرفة للقصل( بقايا القمح و الشعير بعد أن يدرس) و غرفة للدابة، و طابون كانت تخبز فيه أمه، و ساحة الدار، و كان البيت يستلقي على دونم من الأرض. يستوقف هنا للحديث عن طريقة التمليك و الزراعة، فيقول بأن غالبية الأراضي في زرعين كانت ملكا لدار عبد الهادي(عائلة إقطاعية في تلك الحقبة)، يشغلون وكيلا للأرض و هو بدوره يقوم بتشغيل أربعة من "الحراثين" على أربعة دواب، و قطروز(عامل بالسخرة) و لكل حراث مع نهاية الموسم 15 كيلو من القمح.. يضحك أبو محمود بتعجب مقارنا الآن بالماضي، و يوضح بأن تلك الأراضي حصل عليها دار عبد الهادي من عائلة سرسك(عائلة إقطاعية في تلك الحقبة) قائلا بأن أصحاب الأرض الأصليين كانوا "يلحقوا" الناس و يتوسلوا إليهم كي يأخذوا أراضيهم و يعزو رفض الناس في تلك الفترة بسبب تراكم الضرائب على تلك الأراضي.

يعيش أبو محمود اليوم في مدينة جنين، و له من البنات تسعة و من البنين ثلاثة، تعلموا و تزوجوا، و رحلت عنه زوجته في عام 2002م، منذ عام 1988م و لغاية 2007م و هو يصلي أسبوعيا في القدس، لكن هذه الأيام لا يذهب إلا مرة شهريا، و ذلك بسبب العقبات و العوائق التي تضعها سلطات الاحتلال أمام من يود زيارة القدس حتى لو كان مسنا... و لدى أبو محمود أمل بالعودة لكل من هاجر قائلا "سينتصر المسلمون حين تعود الخلافة فلا تعود البلاد إلا بقيادة حاكم عادل"، ينهي حديثه بمثل شعبي و يضحك الجميع، ثم يودعنا أبو محمود مستكملا جولته في قرى جنين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

لماذا أحب هذا الرجل بالذات؟

لم أحظ يومًا بفرصة اختيار "حقيقية" للرجل الذي أحب. دعوني أتناول حياتي كامرأة شرقية مسلمة لا أقارب لها من الرجال غير إخوتها، ثم أرى إن كنتُ "اخترت" بالفعل حين وقعت في الحب سابقًا. درست في مدرسة للبنات (غير مختلطة) منذ الصف الأول حتى الثانوية العامة، أي أنني لا أعرف من الرجال غير إخوتي، وأبي الذي مات وأنا عندي 5 سنوات فقط، وأولاد الجيران الذين شاركتهم اللعب في الحارة حتى الصف الخامس، قبل أن يسحبني أخي من لعبة مختلطة أمام بيتنا ويقول لي "لقد كبرت. عليك أن تتوقفي عن اللعب في الحارة". وغير هؤلاء الأولاد، كان الزملاء والمشاركون معي في عدة نواد صيفية، وكنت طفلة، وسن المدرسة جميعه أعتبره مرحلة طفولة، بما فيه المراهقة. أي أنني في مرحلة بناء نفسي بالتالي لم أتعرّف على صفاتي وقدراتي وما أحب وما لا أحب، والرجل في نظري هو ولد يبتسم لي في طريق المدرسة أو يشغّل أغنية حب حين أمر به، ولا شيء أكثر، لا مشاريع حب لا مشاريع زواج، فعائلتي لا تُزوّج الفتيات في سن الدراسة، والتعليم أمر مهم لنا، بالتالي فكرة "الرجل العريس" لم تكن واردة إطلاقًا. بالطبع فإن العلاقة بيني …

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…