التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ستة عشر عاماً.. تغيرنا!!

حين تحمل ذكرياتهم قلباً بين يديك، و تمشي في شوارع البلد و أزقتها القديمة، لتلمح هنا مسجداً توفي فيه جدك، أو درجاً يمتد إلى ما قبل 50 عاماً شهد خطوات أمك أثناء ذهابها للمدرسة، لا تستطيع إلا أن تفرح من العمق، فتتوقف إلا عن سماع صوت نبضات قلبك و بريق عيونهم، و ربما تذرف دمعة أو دمعتان.

خالتي.. أمي.. أيضاً معلمان

بين خالتي منيرة و أمي نسيج من الذاكرة، يعبق برائحة التعب الممتد بين فرح الماضي و تنفس أحداثه في الحاضر، فها هما تصفان لي كل شبر و متر بين "الصالون الأخضر" و مكتبة "الاستقلال"، و بين سينما "رغدان" و بوظة "سناك توينتي تو"، و من أمام سوق"منكو" إلى يسار "أمسيات عمان" على مسافة الذاكرة من "مبنى البريد".. و ها هو بائع "المعاسف" الذي لا يبصر سوى ما تتلمسه يداه، و اكتظاظ المارة من حوله في أوقات الذروة، بحاسة أكثر جمالاً من السادسة، و مثله بائع السجائر، الذي يقبع من نحو أربعين عاماً أمام صندوقه الزجاجي، يبصر ملمس العملات النقدية من زبائنه المعتادين، و رائحة الطريق...

و أنا.. أكتبني من أمام شجرة "كينا" تطل على شوارع المدينة و بيوتها المعلقة على جبالٍ تتنفس الصعداء حين هطول الدمع الصاخب من غيوم السماء البعيدة، التي يحلو لها الرقص على ارتجاف أيدي الأطفال الذين لا يملون اللعب في عرائها.

خالتي.. التي تأبى مغادرة بيتها القريب من البلد – و هل يستغني أحدٌ منا عن قلبه و ضياء روحه!؟- ذهبت بشوق لملاقاة النبي عليه السلام، لتسلم عليه و تنقل له دموع الأحباب الغارقين في الشوق إلى مناجاته، و تلملم العبرات على سفح عرفة الذي يجمع آهات العاشقين، الذين لجؤوا إليه لاستحضار قوة الله في أرواحهم، قبل أن يضربوا ما تبقى من آثامهم بجمرات الحقد على من نذر ناره لغواية العباد بعيداً عن رب العباد.

أما جدتي، التي تنتصب بربطة "منديلها" و وجه يبوح من ضجة الصمت،على إحدى جدران مثواها الدنيوي، فوق خزانة شهدت أياما لا حصر لها، و تغيرات عبثت بها السنين، فهي حديث آخر بأكمله... فما زلت أذكرها كيف استقبلتني بين يديها أول وصولنا الأردن قبل 16 عاماً، و استرحت في حضنها الدافئ.

كان الصمت مفتاحها في كلام الحاضرين، تدخن على مقعدها الذي ما زال في نفس المكان، و نفس الحزن، لكن، في زمان مختلف... ذهبت جدتي مع سيجارتك، و بقي المقعد ينفث رائحة الغياب.
لا أستطيع تذكرها دون دمعٍ و اختناق..

لو رحل صوتي ما بترحل حناجركم
عيني على بكرا و قلبي معكم
تواسيني هذه الكلمات أثناء استماعي لنبض الحلم بين الآن، و ذاكرة وجه جدتي، التي تنظرني من على بعد ابتسامة، و بريق لفرح مخبأ في دمعتين.

لمجرد ذكر اسم خالتي في فلسطين، يتتابع الدمع من عيني والدتي على وجنتيها.. كأنه الحنين!! و حين تلتقيان في الأردن، تبكيان.. كانه الخوف من الفراق!!

و مررت بشارع بيتهم..

كيف لم ألمح "دخلة" بيت جدي، و المكان الذي طالما لعبنا بين جنبيه بفرح لا مبال بحصار الضيق و الامتداد، و شهد صراخي بوجع طفولي وصل حدود السماء، حين اجتاحتني حمى ذهاب والدتي عني دون اصطحابي معها في مشوار لا أعرفه، فأقول بعد هذه السنين "ياااااااااه.. كم كنت طفلة"، لم أكن لأصدق بأن ما جرى حينها حتى رأيت جارة جدتي التي تتذكر كل كلمة كنت أقولها وقتذاك، حيث أبدت استغرابها أمام وجهي و كلماتي التي تغيرت بعد هذا العمر، "وين رايحة و تاااااااركتيني لحالي" تتذكرها كأنها حصلت البارحة!!

كيف لهذا الدرج الطويل ممتداً من القاع إلى مكان صنع "قهوة أبو عيسى"، أن لا ينبهني إلى الرائحة التي كان يصنعها جدي، و يسأل مرارا و تكرارا عن سرها.. ربما لأنه تغير، و لم يعد ذاته الموصل إلى الرائحة!!

كيف تهت عن "سيدي" و "ستي" ، عن بيتكما الذي لم أنسه يوماً و اكتمل شوقي باختلاف معالمه... اللعب،، المشغل.. الأمانة.. نافورة الماء المخبأة على بعد أكثر من طابقين.. المصعد الذي توقف بنا مرة و ظننا أن شريط الكاسيت الهارب من تحته هو الذي فتحه و حرر خوفنا من الاختناق..
ها هي قهوة "سيدي" تحتفظ بصوره و بعض قصاصات الجرائد التي كتبت يوماً عن ذاكرته في عمان، و رائحة المكان الذي أضحى خارج طياته.. أهذا ما تبقى من جدي!!؟؟ كيف أنتم بدونه؟؟ و كيف هو في برزخ الغياب؟ و كيف شارع الأمير محمد، هل يشتاقه؟ و هل تشتاقونه؟

تعليقات

‏قال غير معرف…
السلام عليكم

مدونتك مميزة دوماً اتمنى لك التوفيق

وادعوك للانضمام معنا في مجتمع المدونين الفلسطينين

www.palblog.co.cc
‏قال متشرّد
رحمة،
ما بالُ النبض ضعيف، والروح لا تتنفس .. ؟
‏قال رحمة محمود
أشكرك جداً على مرورك "غير معرف" و دعوتك الودودة

تحياتي
‏قال رحمة محمود
محمود،
لا أعلم إن كانت الدموع تعبيراً عن تسارع النبض أو تنفس الروح.. أو عدمهما !!
لكن ما أعلمه أن حوّاسي كتبت هنا.

كل التحية صديقي
المدونةمش مسدقة إنك هون.. طارت من الفرحة :))

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…