التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نسيان أم ذاكرة، ماذا تريد مستغانمي؟


و إذا التأم جرح جد بالتذكار جرح
فتعلم كيف تنسى و تعلم كيف تمحو

إبراهيم ناجي

يظهر هذين البيتين من الشعر في بدايات "نسيان" للكاتبة أحلام مستغانمي، فهي تأخذنا في "كورس" دراسي تعلمنا فيه كيف ننسى (و لكن ليس كأي أستاذ) مذكرة على طول طريق الكتاب بإجابة سؤال: لماذا نريد أن ننسى؟ و ما هي النتائج الجميلة جرّاء ذلك و العواقب الوخيمة في الابتعاد عن ذلك التي قد تصاب بها المرأة المستلقية على عتبة أحلامها مع رجل تركها لينهش الزمن لحمها، فتحاول البقاء مستعينة بفتات الذكريات و الأشياء التي خلفها لها الحبيب، انتظارا لأن يعود.

نرى أحلام و نسمعها في هذا الكتاب كما لم نعهدها من قبل بالنسبة لمن قرأ ثلاثيتها الشهيرة(من الذاكرة إلى العابر)، فلها صوت أقرب إلى القارئة، و كأنهما تتحدثان أثناء استماعهما إلى الراديو إلى جانب كأس شاي، و قرب الكاتب لهذه الدرجة تفوق منه رغبة في التأثير و أملا في التغيير أو التثبيت، و لكن، هل تنجح أحلام بإقناع المرأة العربية بالنسيان؟

يبدأ كل فصل في الكتاب باقتباس تجتهد في نفيه و إعادة ترتيبه بالشكل الذي يلائم النسيان، متدرجة بقصة(كنموذج) بين ثنايا الفصول و تقلبات الورق، مستكملة دور المعلم و المرشد النفسي، لتعرض في الفصول الأخيرة قصصا (ترويها بطريقة مختصرة) لنساء دمرهن الحب والبقاء بين مشانق الذاكرة، مستكملة قصة صديقتها التي عانت معها لتساعدها على نسيان رجل أفقدها كل شيء حتى فقدت حبها للحياة و احتضنت الاختفاء عن عيون الناس.

قادتني أحلام في كتابها هذا لأخوض مظاهرة نسائية ضد أولئك الرجال الذين يتركوننا على أعتاب ذكريات بخسوا علينا في الإخلاص لنا، مددجة أيدينا و عقولنا باقتباساتها الهجومية في آن و الموجهة إليه في آن آخر داعية إياه للتفكير، أكيدة بأن الرجل يقرأها إلى جانب كثير من النساء اللاتي أغراهن التفكير بالفكرة بالرغم من استهلال الكتاب بأنه موجه للنساء فقط ، و هذا أسلوب معروف في الخطاب، حيث تمثل دعوة غير معلنة للرجل لقراءتها، فأحلام لا يهمها نسيان المرأة للرجل بقدر ما يهمها أن لا تختار المرأة النسيان، أي كأنها تريد خطوات استباقية لتجنب العوارض الجانبية للفقدان، حين تغرس في عقل الرجل أفكارا تقوي بها المرأة و إحداثيات للمرأة تقرب الأول منها، و تجعله يفكر ألف مرة قبل أن يتركها على حافة قدرية.

تجتهد الكاتبة في النفي و الإيجاب، و إيداع البراهين و الدلائل التي تحث على الانسياق معها في جو النسيان، في حديث مباشر مع القارئة، مستخدمة أسلوب الترغيب و الترهيب كمنحى خطابي لإقناع المرأة بفضائل أن تنسى و عواقب ألا تنسى، لكن ما يثير الإرباك في الكتاب هو النموذجين من قصص النسيان لصديقتيها، اللتين عاد حبيبيهما إليهما في النهاية، فكأن مستغانمي بنت جدارا من زجاج لا يمتلك خاصية الصمود أمام حجر، فكيف يصمد أمام الرصاص الذي يفاجئها في غمرة انشغالها في الجهاد للنسيان، فالحب و الحنين في الذاكرة كان أقوى بكثير من محاولاتها العنيفة في قمع الذاكرة و تسليط سوط النسيان عليها، و هي ذاتها تعترف في الكتاب بأن الذاكرة أقوى من أن نلجمها بحبل النسيان، لكن مع ذلك يظل أملها مغدقا في تحديه، حتى تحاور "الحبيب العائد" لصديقتها، فيغلبها بالكلام.. و يفيض بها الكيل من صديقتها التي نسيت موضوع النسيان لمجرد أول كلمة رقيقة عاد بها من هجرها، و لكن أحلام لا تستسلم، أما تبريرها لما فعلته صديقتها و تفعله الكثير من النساء، فهو غباؤهن، فهي ما فتئت تنعت أولئك النساء القابعات في بركان الذاكرة بالغباء و الحمق (تقول: كفى بربك حمقا) تستفز فيه مشاعر القارئات حينا و تدعوهن للضحك أحيانا أخرى، فالأسلوب الساخر ميزة الكتاب، و لكنها سخرية ممعنة في الإجحاف، و المستدرك هنا هو أن الغاية من نعت الغباء الذي ألقته على النساء، أنها لم تفشل لضعف فكرتها أو لسذاجة ما تدعو إليه، فهي تؤكد صوابية طريقتها في الإقناع، لكن المشكلة هي "غباء" المرأة!!

و لكن.. نعود إلى سؤال طرحته سابقا، هل نجحت مستغانمي في إقناع المرأة العربية بالنسيان؟؟
لا يكمن الجواب بنعم أو لا، و لكن في النتيجة المستخلصة من الكتاب، التي أدرجها لكم على نقاط:

- المرأة لا تنسى لأنها تريد محو الرجل من حياتها بل لملاقاة حب أجمل(رجل آخر)
- النماذج القوية في القصة لنساء مغدورات لم تنته بتغلب المرأة على الذاكرة(الانتقائية في العرض)
- الكتاب ليس للمرأة بقدر ما هو مرشد للرجل للحفاظ على قلبها
- إدراج و إبراز اقتباسات لصالح الذاكرة ليس عبثا.. إنها قصدية محكمة
- أخيرا... الكتاب ليس دعوة للنسيان، إنه دعوة للذاكرة لكن بطريقة مختلفة

أما خاتمة الكتاب فهو فصل عنونته ب "حلوا عني" إذ أنها ملت من "الغباء"، و أنهت الصفحات بقصائد كانت آخر عباراتها:

أبدًا لن تنساني
أبدًا لن تنسى
أبدٌ من الندم ینتظرك
من أضاعني قضى وحیدًا كحصان
لا مربط بعدي لقلبھ


ما دامت تذكره بالنسيان، فهي لم تنسه، و ما دام حديثها موجها إليه فذاكرتها ما زالت مشغولة ببعض منه، فالمرأة تنسى الرجل فقط حين لا تكتب له أو عنه، أو حين لا تذكره في ثنايا حديثها لا أن تتجنب ذكره... و كل نسيان و أنتم بخير.

تعليقات

‏قال Mahmoud
صديقتي ,

إنّ أسلوب أحلام الذي غالبًا ما تناقض نفسها في خضمّه، ليس أسلوبًا جديدًا، ولم يرد ذكره في الكتاب فقط، ففي معظم رواياتها السّابقة، كانت تطرح الفكرة عقلاً، وتنفيها عاطفة، ولكنّ هذا التناقض لا ينقص من قيمة العمل الأدب، انما يشير لأنّها أولاً وأخيرًا مهما بلغ شأن قلهما، تظلُّ إمرأة تضجُّ بحارها بسفن العاطفة، والشك، واليقين .

أمّا عن النسيان، فأنا أؤيده تمامًا، بل أنني قد أتمادى فأقول أنّ النسيان نتيجة حتميّة تفرضها علينا الأيام، وأنّ نار الحب ليست أزليّة مطلقًا، انما تختلف من شخص لآخر لاعتبارات نفسيّة، ولحجم مخزون الذكريات .

قراءة رائعة في مضمون الكتاب صديقتي، أتمنّى أن لا تكون القراءةالأخيرة .

لكِ القرنفل .. : )
‏قال لون سماوي
الأسلوب الجديد الذي قصدته لأحلام ليس التناقض، إنما الكوميديا الساخرة و توجيها الكلام مباشرة للقارئ لدرجة(أقصد كحديث) و أعرف هي دائما قريبة لكن هذه المرة بشكل مختلف... يعني مثلا انا في كتير من فقرات كنت ابتسم و مرات اضحك بصوت عالي و انا بقرألها.. ما بعرف ازا اجاك هالاحساس.. بس شيء جميل

الوقت هو قاتل النسيان.. اتفق معك
بس عفكرة.. انا اكتشفت اني تلميذة شاطرة من خلال قراءتي لتعليمات احلام.. لانو اللي علمتو لصديقاتها كنت متعلمتو زمااااااان ههههههه بس مش تخبر حدا.. هاد سر

بوجودك لن تكون الاخيرة
:)
لك البيلسان(مع اني ما بعرف ريحتو بس اسمو حلو)

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

لماذا أحب هذا الرجل بالذات؟

لم أحظ يومًا بفرصة اختيار "حقيقية" للرجل الذي أحب. دعوني أتناول حياتي كامرأة شرقية مسلمة لا أقارب لها من الرجال غير إخوتها، ثم أرى إن كنتُ "اخترت" بالفعل حين وقعت في الحب سابقًا. درست في مدرسة للبنات (غير مختلطة) منذ الصف الأول حتى الثانوية العامة، أي أنني لا أعرف من الرجال غير إخوتي، وأبي الذي مات وأنا عندي 5 سنوات فقط، وأولاد الجيران الذين شاركتهم اللعب في الحارة حتى الصف الخامس، قبل أن يسحبني أخي من لعبة مختلطة أمام بيتنا ويقول لي "لقد كبرت. عليك أن تتوقفي عن اللعب في الحارة". وغير هؤلاء الأولاد، كان الزملاء والمشاركون معي في عدة نواد صيفية، وكنت طفلة، وسن المدرسة جميعه أعتبره مرحلة طفولة، بما فيه المراهقة. أي أنني في مرحلة بناء نفسي بالتالي لم أتعرّف على صفاتي وقدراتي وما أحب وما لا أحب، والرجل في نظري هو ولد يبتسم لي في طريق المدرسة أو يشغّل أغنية حب حين أمر به، ولا شيء أكثر، لا مشاريع حب لا مشاريع زواج، فعائلتي لا تُزوّج الفتيات في سن الدراسة، والتعليم أمر مهم لنا، بالتالي فكرة "الرجل العريس" لم تكن واردة إطلاقًا. بالطبع فإن العلاقة بيني …

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…