التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين نعتاد الرحيل

تسير في طريق موغل في الوحشة، على غير هدى إلا من ظلها العاري، الذي يحمل فتات ذكريات و أحلام تكسرت على حافة الوقت، جسد صارع كثيرا أحوال الطقس و تقلباته التي تعبث بحتمية وجودها و فرضية أن لا تكون، هي بؤرة التصادم بين ما كان و ما يكون و ما يجب أن يكون، لا تقطع مسافة حتى لو كانت عشرة أمتار فقط إلا و يجتاح دماغها ذلك التصادم، و لكن الذي ربما يخفف من ثقل تلك الأفكار هو حدود العمر الذي تتخلله، و الذي لا يتجاوز نصف عقد.

ما زالت تقلب ذاتها بين العبث و الرجوع، بين القرار و الانسحاب، و بين مشاعر ضاقت بها نفسها حتى لم تعد قادرة على الإحساس ذرة واحدة بجمالية تلك المشاعر التي لم تقدها إلا نحو هاوية الافتراضات و الانتكاسات الجاحدة، و حتى لو حاول نسيم صيف التوغل و لو مليمترا واحدا إلى قلبها، تفكر ألف مرة قبل أن تفرح، و قبل أن تحزن، و حتى قبل أن تفكر، فكل الاختيارات و الخيارات الفاشلة لم تزدها إلا امتناعا عن نبض القلب و انحباس النفس، ما أورق داخلها شجرا لا ظل له.

يغتالها الحنين و الأشواق لشيء لم يكن، و يجرها الموت نحو تراتيل عشقتها و ما زالت ترددها أنفاسا شذية باسقة في انتصار الخوف، فكل ما لم يكن و كان، يتشبث بخوف جامح يتسع له الخيال.. له فقط، ثم تسائل نفسها،، هل لهذا الحصار من الذاكرة الخبيثة أن ينتهي؟؟ و لماذا لم تفلح كل محاولاتها في محو الذاكرة و إعادة ترتيبها بالقضاء على مرارة الفقدان؟ ألهذه الدرجة أبحر في دمائها ذاك الوجه المترف بالحزن؟ فربما تزداد غصتها عنفا لأنها ما زالت تبحث بين الوجوه عن ألق يشبه تاريخه، و لا تجد سواه حاضرا في خاصرتها كالسيف ينغرس في كل خطوة من طريقها رويدا، حتى ليكاد يغيب أنفاسها، لماذا نبحث دوما عن الأحلام التي تزيدنا شقاء؟؟ هكذا تنتهي تساؤلاتها كل ذكرى.
هو الوقت يقتلني...
يحطم العمر ذكرى
ليغدو الفراغ مملوءا فراغا
و يظل الحاجز الفضي
ما بين وجهي و ابتسامه
و على حين غرة من الزمن، يجتاح نور قادم من أقصى الطريق وحشتها المستفيضة وجعا، و كأنه مسك إلهي ضل طريقه إليها، و الآن تبتسم من قاع القلب، سعادة تدفعها على التحليق عاليا عن كل ترائب و حشائش الأرض التي لم تحنو عليها كثيرا، في ذلك الوقت عرفت بالضبط ما يسمونه بالسحر، فلم تكن تقنع بذاك الكلام الغابر، و لكنه السحر بذاته، إنه ترتيب للقدر لم تتوقعه و لو ظلت تتخيل التوقعات، هو حلم الطفولة البريئة، و ذكرى عهد النقاء، حيث لم يكن نبضها يتنفس غير الهواء العابق بمروره، شيء يشبه الحب و لكنه... ليس حبا.

عاد اليوم إليها و لم يتركها من قبل، فهو ما كان يعي حقيقة وجودها، و حين أدرك هذه الحقيقة كان الخجل أشد من أن تقول له كم هي بحاجة إليه قريبا منها في هذا الوقت بالذات، في غصة اجتياح لون الخريف لأحاسيسها، و جراح القلق التي تعتري صوتها، لم تعد تريد أن تكلم أحدا غيره، أو ترى ابتسامات من سواه، و كما في السابق ، شيء يشبه الحب،،، لكنه ليس حبا، فهي لا تريد منه إلا اقترابا بريئا نائيا عن كل كرهته من سواه، و في غمرة الأناقة القدرية، يستيقظ الزمن فجأة متنبها أنه أخطأ توجيه السحر لها، و يعود حاجز فضي من جديد بين وجهها و ابتسامه، لكن هذا الحاجز ليس كسابقه، فهو لا يفصل قلبها عن قلبه، بل روحها عن قربه، كم هي مؤتلقة بسعادته لكنها في ذات اللحظة تخشى تجنب تحيته لها في ذروة انشغاله بالفضة، فتعيد النظر بمخاطبة شعورها بأنه نوع من الأنانية أن تبكي و هو يضحك، أن تفكر هكذا و هو يعيش الحلم الذي انتظره، لكنها.. بحاجة إليه.

أستنشق عطر التراب
بألق السماء البعيدة
لم أنتظر
لم أجر خلف جيم لسين طويلا
لكنني أشعلت أوراقي القديمة
و نثرتها خلف الضباب
نثرتها
عادت تغني من جديد
بلا صدى عادت
بلا لون كئيب

إنها المرة الأولى التي تكتب شعرا مكسوا بالأمل و الفرح، بعد أن كانت قصائدها تنتهي بوابل من الدموع التي لا يراها القارئ، لكنها تعصر جفونها و تحرق بهاء وجهها، لينتهي الأمر كما تنتهي كل قصيدة.

ربما لم تسنح الفرصة كي تشكره لأنه كان سببا في عودة الحياة و الأمل لعينيها، و حتى لخفقان روحها المتوثبة نحو المستحيل، فقد منعها الخوف من شكه في نواياها البريئة، و الآن تسطيع أن تشكره بكل ما تتسع به دماؤها من ذرات الأوكسجين و الهيموجلوبين، و هل أعظم من شكر حقيقي لإنسان يمنح الحياة؟!!

تعليقات

‏قال Mahmoud
جميل أن يكون للاستفهام في نصّ كهذا وقع الجواب، لا أخفيكِ ولا أخفي على نفسي، قرأته دفعةً واحدة، وأجزم أنني لم أرمش ولو مرّة واحدة ..

بعض الكلمات أيضًا، قادرة أن تمنح أشياء كثيرة .
‏قال لون سماوي
لكلماتك دوما رائحة شذية

فلتسلم عيناك صديقي لأنها تزيد نصوصي ألقا في كل مرة

تحيات بقدر حرية طائرات الورق في غزة
‏قال إسلام محمد
رحمة
ربما القدر لا يخطئ بل الأشياء هي التي تصلنا متأخرة فنظنه اخطانا ثم عاد إلينا
تماماً كما لُعبة المراوغة ..

اشتقتلك والله :)
‏قال لون سماوي
لعبة القدر تلك أشبعتني قلقا

عسى هذا القلق ينقلب استقرارا يوما ما

اشتقتك أكثر إسلام
كوني دوما حاضرة

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…