التخطي إلى المحتوى الرئيسي

النوم في العراء.. المكوث في الشوارع.. أكل القمامة، إلى ماذا ستقود محمد؟

تقرير قدمته عبر أثير راديو البلد (بعد إعادة التحرير)
وسيم الوجه، يرتدي ملابسا مزق نصفها و وضع نصفها الآخر في جيوبه، يصمت أحيانا و يصرخ أخرى، يقف و يركض هنا و هناك، تختفي خلف ملامحه 23 سنة أتمها في الخامس من نيسان الماضي، يراه المارة عادة قرب دوار السينما في جنين، إنه محمد ياسر الجعبري، الذي يعرف بالمجنون، و لكن، ما حالته بالضبط؟

تقول زوجة أبيه أم إسلام إنه يعاني تخلفا عقليا، و حجم عقله صغير بحسب تشخيص مستشفى بيت لحم التي عبرت عن عدم قدرتها لاستيعاب مثل حالته و لا تستطيع تقديم شيء له.
أما التشخيص الطبي لمحمد فيوضحه طبيب الأمراض النفسية في جنين مالك حسان في تقرير حول حالته، بأنه يعاني تخلفا عقليا شديدا مصحوبا باضطرابات عدوانية تجاه الآخرين، حيث يتجول في الشوارع و يأكل القمامة، يدخل البيوت مسببا الرعب و الخوف الشديد لأهلها، و وضعه الحالي أصبح غير طبيعيا على حد تعبيره، ما يوجب ضرورة استيعابه في إحدى المؤسسات التي تعنى بمثل هؤلاء الشباب.

و في حديثها ، أفادت أم إسلام أنهم قاموا بالتوجه لأكثر من مؤسسة و جهة رسمية، كالمحافظة و مدير الشرطة في جنين، و مستشفى بيت لحم، بالإضافة إلى الشؤون الاجتماعية، و لكن لا رد إيجابي يذكر و حجة الغالبية أنه متقدم في السن، و عن طريق المفتي أبو سعيد تم التوجه لمؤسسة في أريحا وعدت بمكان قيد الانشاء لمثل هذه الحالات، لكن منذ سنتين لغاية اليوم لم يردهم أي خبر منها، و من جهة أخرى توصلو مؤخرا إلى مؤسسة أهلية تعنى بمثل هذه الحالات إلا أن الكلفة شهريا مقابل الاعتناء به 1000 شيكل، المبلغ الذي لا يستطيعون دفعه، مقارنة بدخل الأسرة.

و لشدة ما كان يصلهم من شكاوى حول اعتدائه على الأطفال و سرقته الملابس من على حبال الغسيل، حتى في بيته لم يستطيعوا تحمله من تصرفاته التخريبية في البيت، قام والده ببناء غرفة خاصة له جانب بيتهم و ربطه بالجنازير، لكن شكاوى الجيران تدافعت بسبب صراخه طيلة الليل ما أدى إلى إزعاج راحتهم و نومهم.

و برغم تخصيص تلك الغرفة له، و تقييده داخلها، إلا أنه تمكن من الهرب من خلال هدم الطوب و فك الجنزير، ففي وجوده ضيق للجيران، و في هروبه إزعاج للناس الذين يلتقي بهم و ربما خطر، و تقول أم إسلام هنا أن والده لا يستطيع فعل شيء له.

و أوضحت أم إسلام، أن الوالد أسر في الانتفاضة الأولى عام 1990 الشيء الذي دعا زوجته لطلب الطلاق منه لتترك أطفالها الثلاثة محمد، سامر الذين تنقلوا بين أماكن متعددة كان آخرها العيزرية حتى تحرير والده الذي عاد بهم إلى جنين، و تضيف أم إسلام بأن حالة محمد أخذت بالازدياد نتيجة إحساسه بفقدان والدته.

و في استطلاع لرأي الشارع حول ما يشاهدونه من محمد، تراوحت وجهات النظر بين من يراه خطيرا و يجب ايجاد حل عاجل له لأنه يسبب خطرا على المارة، و على نفسه، و نذكر هنا أنه أصيب قبل سنتين بعيار ناري من جيش الاحتلال ما أودعه المستشفى مدة 9 أشهر كلفت ذويه أموالا لغاية اليوم يسددون تبعاتها، و في آراء أخرى عبر البعض عن حزنهم تجاهه معتقدين بأنه لا يسبب خطرا بل المجتمع هو الخطر، و هو الذي يتحمل مسؤولية وجوده بهذا الشكل، و من جهة أخرى فهو لا يضرب أحدا إلا إذا تعرض له بالإساءة و نعته بالمجنون حسبما قال أحد الأطفال.

و من جانبه، عبر شرطي المرور على دوار السينما أثناء التقاطنا للآراء، عن أن الشرطة تقوم بواجبها على أكمل وجه، و في كل مرة يتعرض فيها لأحد المارة أو يتعرى كالعادة أمام عيون الناس، تقوم بأخذه لأهله، قائلا بأن الشرطة لا تستطيع فعل أكثر من ذلك و لا حتى حبسه على اعتباره معاقا، لا تنطبق عليه القوانين.

محمد، هو أحد الكثيرين الذين نراهم في كل قرية و مدينة، يتجولون في عوالمهم الخاصة، و تختفي وراء كل منهم قصة معينة ربما قريبة أو غريبة، هؤلاء مسؤولية من؟ متى سيستريحون من رحلة الذاكرة، أم أنهم لازمة مجتمعية لا تنضج الرواية الادبية دونها؟

تعليقات

‏قال Mahmoud Omar
منذ شهرين أو أكثر لا أذكر تحديداً، كنت أجلس كالعادة على كرسيّ حلّاقي المعتاد وأتبادل معه أطراف حديثٍ لا يهمُّني ولكنني أضيّع به الوقت اللازم لهذه العملية، وفجأة يدخل علينا شاب في مقتبل العمر ورغم أنّ الصالون مساحته لم يحلو له إلا أن يأتي بجواري ثم يبدأ في خلع ملابسه، أنا ظننت نفسي أحلم أو أن الآخرة آن لها أن تصبح أولى، ولكن تبيّن أنه مختل، أو أنه عاقل، وكلُّنا مختلون .. من يدري .
‏قال غير معرف…
المختلين جزء منا ومعلم من معالم المدن التي نسكنها ...

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

لماذا أحب هذا الرجل بالذات؟

لم أحظ يومًا بفرصة اختيار "حقيقية" للرجل الذي أحب. دعوني أتناول حياتي كامرأة شرقية مسلمة لا أقارب لها من الرجال غير إخوتها، ثم أرى إن كنتُ "اخترت" بالفعل حين وقعت في الحب سابقًا. درست في مدرسة للبنات (غير مختلطة) منذ الصف الأول حتى الثانوية العامة، أي أنني لا أعرف من الرجال غير إخوتي، وأبي الذي مات وأنا عندي 5 سنوات فقط، وأولاد الجيران الذين شاركتهم اللعب في الحارة حتى الصف الخامس، قبل أن يسحبني أخي من لعبة مختلطة أمام بيتنا ويقول لي "لقد كبرت. عليك أن تتوقفي عن اللعب في الحارة". وغير هؤلاء الأولاد، كان الزملاء والمشاركون معي في عدة نواد صيفية، وكنت طفلة، وسن المدرسة جميعه أعتبره مرحلة طفولة، بما فيه المراهقة. أي أنني في مرحلة بناء نفسي بالتالي لم أتعرّف على صفاتي وقدراتي وما أحب وما لا أحب، والرجل في نظري هو ولد يبتسم لي في طريق المدرسة أو يشغّل أغنية حب حين أمر به، ولا شيء أكثر، لا مشاريع حب لا مشاريع زواج، فعائلتي لا تُزوّج الفتيات في سن الدراسة، والتعليم أمر مهم لنا، بالتالي فكرة "الرجل العريس" لم تكن واردة إطلاقًا. بالطبع فإن العلاقة بيني …

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…