التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبو جمال.. القصة في الرفو


عطا الله عبد الله ( أبو جمال).. رجل في عقده الثامن, لم يزل يردد " الإنسان الذي لا يحب صنعته لن يتقنها أبدا" لذلك يتقن مهنته التي لا يشترك معه فيها أحد -على الأقل في رام الله- فقد أحبها و مارسها منذ أربعين عاما, إنها مهنة الرفو.. فإبرته السحرية ما انفكت عن رتق الثقوب و الخدش و الأثر الذي تتركه سجائر ضلت طريقها في ثياب ارتأى أصحابها أن تصلحها مهارته..
و ليست مهنة الرفو أو ما يسميها الكثير(الرتي) أول شيء تمرس فيه أبو جمال, فقد عمل في شبابه شرطيا في سكة الحديد التي كانت مقامة قي عهد الانتداب البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية, و عمل في محل غسيل و كوي للملابس, و حسب ما يذكر بدأ العمل بالرفو بعد أن أصيب بالتهاب شديد تحت إبطيه, فمر عليه رجل من عائلة البرغوثي و هو جالس أمام الدكان و نصحه بأن يعمل معه بالرفو.. ليبدأ بنقل طلبيات الرفو من مكان إلى آخر و من "الرتا" إلى أصحابه. و تعلم المهنة من خلال المشاهدة، فهو لا يزال يذكر ذلك الرجل من عائلة أبو شوشة الذي كان يرفو الملابس أمامه في محله بالقدس، فوقت انتظاره أبو شوشة و رؤيته لتفاصيل عمله تعلم المهنة لينتقل بدوره إلى الرفو حتى وقتنا الحاضر..
و أبو شوشة –على حد قول أبي جمال- كان الرتا الوحيد في القدس آنذاك، و في القدس كانت الفتيات تتعلم الرفو في المدارس، فإذا ما كبرن أصبحت المهنة وسيلة العيش، و مكانها بيوتهن، فهو يذكر وجود لافتات على جدران بعض البيوت كتب عليها "هنا يوجد رتا" أو عبارات مشابهة تدل على وجود من يرفو الملابس، و لم يسمع أبو جمال عن أحد يقوم بذات المهنة خارج أسوار القدس.
و لعملية الرفو مكان عند بخلاء الجاحظ، فها هو يحدثنا في كتابه عن ليلى الناعطية فيقول:
" و أما ليلى الناعطية, صاحبة الغالية من الشيعة, فإنها ما زالت ترقع قميصا لها و تلبسه, حتى
صار القميص الرقاع, و ذهب القميص الأول, و رفت كساءها و لبسته, حتى صارت لا تلبس إلا الرفو, و ذهب جميع الكساء. و سمعت قول الشاعر:
البس قميصك ما اهتديت لجيبه فإذا أضلك جيبه فاستبدل
فقالت: إني إذا لخرقاء. أنا و الله أخوض الفتق و فتق الفتق, و أرقع الخرق و خرق الخرق."
و لكن هل هو البخيل الذي يرفو ملابسه فقط ؟ و بثياب من بدأ العمل.. الفقراء أم الأغنياء؟؟
يقول أبو جمال بأن المهنة بدأت بالناس الأغنياء، فلم يكن في فترة ما قبل الأربعينيات بإمكان أي شخص ارتداء طقم رسمي "بدلة" ، لأن سعرها مرتفع، فكان الشخص منهم يلجأ إلى رفو أي فتق فيها، لأن شراء غيرها مكلف جدا.. و لكن مع تطور المهنة و انتشارها غدا الرفو للجميع، و لم يعد حكرا على برجوازيي المجتمع، فعلى رأي أبو جمال "شعبنا العربي مسكين" لأنه حتى "الجينز" يرفوه، و "الجينز" كما هو معلوم ليس بالقيمة نفسها للثياب التي بدأت بها مهنة الرفو..
و زبائن أبو جمال في تنوع من الرئيس إلى العامل و ما بينهما من محامين و قضاة و مهندسين.. و على حد قوله كان الرئيس الراحل أبو عمار يبعث حارسه بملابسه إليه كي يرفوها.
و يأتي الناس إليه من مناطق مختلفة، و هو عادة لا يسألهم من أي مكان هم, و لكن عندما يستعجلونه يشيرون إليه بأن" مشوارهم طويل".
و يعتمد رفو الملابس أكان بالإبرة أو باستخدام مكنة الخياطة على حجم الفتق و طبيعته في الثياب، فكلما كان أكبر احتاج لتدخل المكنة، و في الحالتين يكون مكان الرفو شبه ظاهر، فأبو جمال له خبرة و مهارة لا تمكن الناظر مباشرة لقطعة الملابس من رؤية خيط الرفو.
" أنا حبيت الشغلة عشان هيك نجحت.. و مع إنها مملة بحبها" هذا ما ختم به أبو جمال حديثه معي مشجعا غيره على تعلمها و مشيرا إلى أنها تحتاج إلى الصبر الكثير.
و لا أنسى ما قاله أحد المحامين الذي أتى ليسلم على أبو جمال و يطمئن عليه أثناء حديثي معه بأن المهنة مرتبطة بأبي جمال فهي تنتهي بوفاته..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفوز لحنان والتهنئة للرئيس!!

في صفحتها الأولى، نشرت صحيفة القدس الفلسطينية، في عددها الصادر، اليوم الثلاثاء، تهنئة للرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء رامي الحمدالله، مقدمة من وزير التربية والتعليم صبري صيدم، أما المناسبة، فهي فوز المعلمة حنان الحروب بلقب "أفضل معلم في العالم لعام 2016" إلى جانب الجائزة المالية وقدرها مليون دولار.

منذ مساء الأحد الماضي، إلى هذه اللحظة، ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي، تتناقل وتتبادل خبر فوز المربية حنان الحروب بهذا اللقب، من وسائل إعلام محلية وعربية ودولية وحتى من صحافة الأعداء، أو الإسرائيليين في رواية أخرى.
كل من المهنئين رأى في حنان نفسه، فالنساء اعتبرنه فوزًا للمرأة ونجاحًا لها، وحتى رجال كثيرون تبادلوا الخبر على أنه دليل انتصار المرأة رغم كل معيقات المجتمع الذكوري الذي نعيش فيه، فيما رأى أبناء مخيمات في فوزها فوزًا لهم، إذ هي ابنة مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين (بيت لحم)، ومديرية تعليم محافظتي رام الله والبيرة رأت في نجاحها نجاحًا لهذه المديرية، حيث تدرس في إحدى المدارس التابعة لها، أما طلبة وخريجي/ات جامعة القدس المفتوحة، فاعتبروه أيضًا فوزًا لهم، لأن حنان كانت يومًا …

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

لماذا أحب هذا الرجل بالذات؟

لم أحظ يومًا بفرصة اختيار "حقيقية" للرجل الذي أحب. دعوني أتناول حياتي كامرأة شرقية مسلمة لا أقارب لها من الرجال غير إخوتها، ثم أرى إن كنتُ "اخترت" بالفعل حين وقعت في الحب سابقًا. درست في مدرسة للبنات (غير مختلطة) منذ الصف الأول حتى الثانوية العامة، أي أنني لا أعرف من الرجال غير إخوتي، وأبي الذي مات وأنا عندي 5 سنوات فقط، وأولاد الجيران الذين شاركتهم اللعب في الحارة حتى الصف الخامس، قبل أن يسحبني أخي من لعبة مختلطة أمام بيتنا ويقول لي "لقد كبرت. عليك أن تتوقفي عن اللعب في الحارة". وغير هؤلاء الأولاد، كان الزملاء والمشاركون معي في عدة نواد صيفية، وكنت طفلة، وسن المدرسة جميعه أعتبره مرحلة طفولة، بما فيه المراهقة. أي أنني في مرحلة بناء نفسي بالتالي لم أتعرّف على صفاتي وقدراتي وما أحب وما لا أحب، والرجل في نظري هو ولد يبتسم لي في طريق المدرسة أو يشغّل أغنية حب حين أمر به، ولا شيء أكثر، لا مشاريع حب لا مشاريع زواج، فعائلتي لا تُزوّج الفتيات في سن الدراسة، والتعليم أمر مهم لنا، بالتالي فكرة "الرجل العريس" لم تكن واردة إطلاقًا. بالطبع فإن العلاقة بيني …