التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فيروز على الحاجز

إنها الشمس، تضيء الشوارع، و تنير الجبال التي غدونا لها عابرين، مستظلة عيوننا بلون الربيع الذي يملأ الفضاء، تصطادنا نسمات باردة تدخل عبر نافذة السيارة، لكن الهواء ملوث بدخان سجائر السائق، الذي يجعل السيجارة فاصلا زمنيا بن حاجز و آخر، بين اتصال هاتفي و آخر.. و أنا أطرد دخانه بالتفكير، طيلة الأعوام الأربعة و النصف السابقة، و سجائره تزعجني، و تمنيت لو لمرة واحدة قلت له "لو سمحت أنفاسي تغيب كلما اخترقتها رائحة السجائر" لكنني أفكر ألف مرة و لا أفعل شيئا في النهاية، يعزيني بأنه السائق الأفضل، الذي نعتمده دوما عند الحاجة في غربتنا، و أنه المدخن الوحيد غالبا في السيارة.
كما دوما.. أحاول نسيان الشعور بالدوار عبر التركيز في شيء آخر، و الطبيعة الفلسطينية أجمل آخر، اليوم نظرت تلك الجبال كأنني أراها أول مرة، المخضبة بأشجار الزيتون، ينساب فوق حجارتها و ترابها تدرج لوني للأخضر، حتى لتكاد تحس بأن الله خلق لونا واحدا، ليصطادك لون البنفسج قائلا "أنا هنا" و للحظة فكرت.. لو أن كل الناس زيتون..
ما زالت السيارة في طريقها، لكي لا تفاجأ بالتوقف وقتا لا يدريه السائق، و ها هو صوت فيروز الصباحي يخترق آذاننا عند حاجز زعترة، ليست أغنية للوطن، لكنني شعرتها كذلك حين جرح لحنها التوقف القسري، و لوثت كلماتها إشارات جندي لم يبلغ ربيعه العشرين، ملوحا بإمكانية المرور، صانعا في ذواتنا خريفا آخر..
ينفث السائق آخر أنفاسه العابقة بالنيكوتين، مستطردا في السياقة، لأرى مشهدا لأولئك الذين يرتدون القبعات الصغيرة، على رصيف الشارع ينتظرون سيارة تقلهم إلى مقصدهم، لأمتعض كالعادة قائلة في نفسي "مسدقين حالهم إنهم في بلادهم و قاعدين بستنوا سيارة" لكن فكرة وحيدة تغتالني، إنهم يشعرون بالأمان...
و ها هي المنازل ذات الأسقف الحمراء تطل من بعيد، تذكرني تلك المنازل ببيت الكلب في مسلسل الأطفال "توم آند جيري"، ليردني تساؤل، ترى، ما شكل هذه المنازل من الداخل؟ أتشبه المنازل العادية؟ و كيف يعيش فيها البشر و أعلم أن من سماتها عدم الثبات، فهي متنقلة؟ و في حضرة الأفكار و الأسئلة، يتسلل صوت ذو ملامح عربية لمذيعة في الإذاعة الإسرائيلية، قارئا آخر الأخبار، التي لم أسمع منها شيئا غير عبارة"اليوم هو يوم المرأة العالمي"، و أنهتها بذكر أحوال الطقس، لتثبت عبارة في ذهني مما قالته حول الرياح "شمال البلاد.. شرق البلاد" ، عن أي بلاد تتحدث تلك؟ البلاد كلمة تروق لي، و لكن لم لا تقول المذيعة شمال الوطن، أو شرق الوطن؟أستذكر هنا قوانين الحركة و السكون في فيزياء الثانوية العامة..

تعليقات

‏قال إسلام محمد
/
على الرغْم من صاحب القلنسُوة الصغير
و أصْحاب القبعات الصغيرة
و بيوت " الكلاب "
أشْعُر أن ذاك الصَّباحَ كان جمِيلاً ..
شعرت بالرَّاحة و أنا أغزُو سُطُوره ..


حتى اللون السماوي
قد يتحول لـ اخضَرٍ إن لم غفلْنا عنه لحظة ..
‏قال لون سماوي
هؤلاء يا صديقتي قد يعكرون صفو الوقت و يغيبون مزاجاتنا السعيدة
لكن الوقت لا ينتهي، و مزاجاتنا متقلبة، لذلك سموا عابرين

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…