التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ماذا بعد أخدود غزة؟

سؤال بديهي يتبع أي حدث مثير، ماذا بعد؟ ماذا بعد أخدود غزة؟ ماذا بعد أن تنسحب جيوش الظلام من ساحاتها العارية إلا من الدمار؟ و ما أدراك ما تحت الدمار!!؟ هل هناك دروس و عبر مستفادة؟ أم أننا مجتهدون لا حاجة بنا إلى دروس!!؟؟
سينشغل الغزيون الآن بجمع أشلاء و أعضاء الجثث الممتدة حتى عمق البحر الذي ما هاج و ما لاج انفعالا على مصابها، و تعود العائلات إلى بيوتها و أبراجها، الخالية منهم أو المهدمة بدونهم، و سيحصي كل فرد أفراد عائلته متذكرا من غيبته آلة الدمار، و من طمرته الحجارة، و من تاهت أشلاؤه هنا و هناك، سيحصيها لا ليرى كم تبقى له، بل ليدرك كيف سيعيش بعد من رحل عنه...
كيف سيصحو دون رائحة القهوة الآتية من هناك، يضم الفناجين دفء يدي أمه، أو كيف سيصحو على فطوره اليومي العبق برائحة الشاي و لون الزيت و الزعتر، غير مال منه بسبب الكلمات الدافئة التي تعود سماعها من زوجته؟ كيف سيجلس أمام شاشة التلفاز دون أولاده الأربعة، الذين لا يملون طلباتهم و شقاوتهم حتى يزيحهم عنه ثم يعودون معتذرين ليضمهم حضنه و قبلاته؟ و أين فرح؟ أين أحمد؟ أين أبناؤك يا سميرة الذين كنت تصرخين عليهم ليعودوا من اللعب كي يتابعوا إكمال واجباتهم المدرسية؟ أين هم؟ و أين جدك يا صالح؟ من كان يقص عليك حكاية الرحيل إلى المخيم قبل كل نوم؟ أخي و اختي و ابن عمي و ابنة خالي و أمي و زوجته و خالته و أبوهما و أبناؤها و بناتها الخمس.......... أين هم؟
أين الابتسامات المسائية و الدردشات و مسبحة أبي و "مصلوة" أخي؟ أين كل ذلك؟ مات أم رحل؟ فقد أم شرد؟ اندثر أم انطمر؟ أين رأسك يا بني؟ و أين ذراعاك اللتان كانتا لي سكنا يا فؤاد؟ أين هما؟ آآآآآآآآآآآه من رائحة الكائنات التي استغلت أجسادكم فبدأت تأكله رويدا رويدا تحت الركام، آآآآآآه منه و من ضيق الأماكن و غربة الوطن المشظى في النفوس...
هل من مزيد؟؟............... لا مزيد لأني لا أملكه، اسألوا عنه القطاع المقطع، و غزة المغروز فيها الشوك حتى الرمق، اسألوا أهلها فقد يدلونكم طريق الموت و أسبابه التي تتعدى عشق الآخرة، ربما يجيبون و ربما يصمتون رويدا، ثم يجيبونكم بالصمت...
هذا ما سيفعله الغزيون، و لكن ماذا بعد أخدود غزة فيما حولها؟ هل ستنكس الرايات؟ و تخمد أصوات المتظاهرين، و تكف الهراوات عن ضرب أجسادهم في كل شارع ناطق بلسان الضاد؟ و تكف الحمامات الساخنة من الإمطار على رؤوسهم في ساحات الضاد و اللوفر و التوقيت البيج بني؟ هل سيعود سفراء الاحتلال في مختلف البلاد إلى مخادعهم آمنين آملين بليال دافئة لا يعكر صفوها صوت متظاهر أو صمت معتصم؟ و ستتوقف الصور المتتابعة على الفضاء المعولم الناقلة لجراح غزة بالظهور، فنعود لنرى أوباما و خيبات العام 2008 في أسواق المال؟ و ستعود أخبار الموضة و الأبراج و التذكير بالعام الجديد الذي للأسف لم يحتفل بخيبته الكثير تضامنا مع أخبار الحرق و الدمار و الفسفور في غزة؟ و ستعود أغاني الحب و اللوعة رنة هواتفنا النقالة، و الموسيقى ستشتعل مجددا على دوار المنارة الذي يلملم شظايا المحبطين في عتمة المدينة؟ و تعود الأغاني التي لا تنطق بالوطن إلى فواصل البرامج الإذاعية و تركيبة الأنغام و الشرق و الأجيال الخائفة من أهل الراية؟
أما الدروس و العبر.. فلا دروس أصدقائي، غير أننا تعلمنا من كربلاء فن الخطاب، و من الرؤساء العرب كش الذباب، و من قممهم خسئت بنا القيم، و تغنينا بنصر بعد 1300 صاعد إلى الله، دون أن يصعد عشرهم إلى الآخرة، غير ما تبقى جسده ملفوفا بالرماد.. و نعدكم بالمزيد، بالمزيد من الكاتيوشا و البارجات الحربية و الطائرات المدججة بالأعداء المهزومين الفاشلين لنعلن نصرا في حرب غير متكافئة!!!! و نعدكم بالرجوع إلى طاولة الحوار... لا تتوهموا، ليس الحوار الوطني، فذلك قد تم بحمد الله وسط أنات المعذبين في غزة و "غصات" اليتامى و الأرامل و "نهنهات" الرضع في أسرتهم الباردة من سقط الشتاء، ألا تدرون؟؟ وحدتنا غزة و وحدتنا مأساة القطاع، أما الحوار الثاني فمع أولاد عمنا سام، لنتفق و إياهم على بعض من الأشبار من الأرض المسلوبة، و بعض من رؤوس الأسرى حتى نسميهم محررين لنستبدلهم بضعفهم، فالحياة هكذا أصدقائي، أخذ و رد، و صولات و جولات، يوم لك و يوم عليك، 1300 منك، و 16 من العدو، و لا بأس.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

لماذا أحب هذا الرجل بالذات؟

لم أحظ يومًا بفرصة اختيار "حقيقية" للرجل الذي أحب. دعوني أتناول حياتي كامرأة شرقية مسلمة لا أقارب لها من الرجال غير إخوتها، ثم أرى إن كنتُ "اخترت" بالفعل حين وقعت في الحب سابقًا. درست في مدرسة للبنات (غير مختلطة) منذ الصف الأول حتى الثانوية العامة، أي أنني لا أعرف من الرجال غير إخوتي، وأبي الذي مات وأنا عندي 5 سنوات فقط، وأولاد الجيران الذين شاركتهم اللعب في الحارة حتى الصف الخامس، قبل أن يسحبني أخي من لعبة مختلطة أمام بيتنا ويقول لي "لقد كبرت. عليك أن تتوقفي عن اللعب في الحارة". وغير هؤلاء الأولاد، كان الزملاء والمشاركون معي في عدة نواد صيفية، وكنت طفلة، وسن المدرسة جميعه أعتبره مرحلة طفولة، بما فيه المراهقة. أي أنني في مرحلة بناء نفسي بالتالي لم أتعرّف على صفاتي وقدراتي وما أحب وما لا أحب، والرجل في نظري هو ولد يبتسم لي في طريق المدرسة أو يشغّل أغنية حب حين أمر به، ولا شيء أكثر، لا مشاريع حب لا مشاريع زواج، فعائلتي لا تُزوّج الفتيات في سن الدراسة، والتعليم أمر مهم لنا، بالتالي فكرة "الرجل العريس" لم تكن واردة إطلاقًا. بالطبع فإن العلاقة بيني …

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…