التخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرد.. و نسيج عينيك صديقتي

تحت الياسمينة في الليل.. نسمة و الورد محاديني
الغصان عليا تميل.. تمسحلي في دمعة عيني

تحب هذه الكلمات التي يشدو بها إحساس محمد منير، حدثتني عنها و اليوم أول مرة أسمعها، لأكتب الآن عن الياسمينة التي اختلطت رائحتها بدموع صديقتي، لأشاركها طقس البكاء، في جو خصب بالفرح البادي على مدينة رام الله قبل ليلة العيد بليلتين، فالبالونات تعلو المشاة، ملونة الشوارع و الوجوه ببعض الابتسامات، و طفل يحمل بالونا على هيئة أسد.. و يطير الأسد.. كم راقني منظر الأسد يطير، لكن طيرانه في ذات الوقت مرتبط بخيط في يد الطفل.. إنه فعلا بالون فلسطيني، أو أسد فلسطيني..
رأيت البارحة رام الله كما لم أرها من قبل، الطقوس اختلفت و الأضواء لم تعد ثابتة، و تراني و صديقتي نبتعد تارة و نقترب أخرى من تلك الانفعالات، و لكن إحساسنا الليلة واحد لم يتأثر بالصخب الذي يجتاح الأمكنة تهللا بالعيد.. إلا أن ذلك لم يمنعنا من إدراك الربيع القادم لحيظات في كانون الأول.
آه يا صديقتي.. كم كنت أحن لجلستك التي لم تخطر بذهني و كم كنا نشتاق البكاء، على طول ذلك الدرج الذي ينتصف المسافة في الشارع المؤدي إلى مكتبة رام الله، نسج البرد دفئا في عينيها لم يلحظه غيري مع تلك العتمة المواربة للنور الخافت في بقايا جراحات فتحناها معا، كل كلمة ينطقها صوتها المليء بانفعالات استثنائية، ثقة صلبة تغلفها بعض من أوراق أيلول، تربكني أحيانا ثقتها لدرجة أشعر فيها أن كل ما تقوله استثنائي، و أنها تدركني أكثر مما أدركني، إنها ذاتي الباطنة التي لا أكترث في البحث عنها حتى تتكلم لأتيقن أن تلك الذات هي ما أحتاج لإكمال طريقي أكثر مما أحتاج الظاهر منها..
صديقتي قصيدة.. أول مرة أحس الاقتراب الواسع بين كلمتي صديق و قصيد، إن ما يفرقهما هو ترتيب الأحرف، و هذا الاقتراب ليس من العبث، فما يقربنا من القصيدة غير الإحساس و الحاجة و الحب؟ ثلاثة تختصر المسافة بين ذاتنا و الصديق، و ذاتنا و القصيدة، و صديقتي تختلف عن باقي القصائد، لها رائحة من رمزية درويش، و صوت من تحدي مطر، و حزن من خريف جويدة، هي بحر من أسرار لا تجد مخبأ غير مثوى اللؤلؤ.
قلبنا معا صفحات مما خلا من أيامنا، لنسترسل في حديث البلاد، لأدرك جوابات قاطعة لديها كانت كافية لأخرج من طريق الشتات و الشك فيما أعتقده، و في الخط الذي يجب أن أرسمه ليرسمني عل جبين البلاد.. أعترف في هذه اللحظات أنها الوحيدة التي أحس بنقاط ضعفي في حضرتها، و أحب ذلك، فمنها أستمد قوتي، و من عينيها وقود الياسمين في رتابة أيامي الحزينة.
ربما هناك الكثير مما نختلف حوله، لكن ذلك ليس عائقا بين امتدادات الروح بين جسر عينيها و قلبي، و ربما أنتقدها في لحظات معينة في عقلي، لكن لحظات أكثر وسعا و عمقا أحس بالغبطة تجاه تجاربها، فهي فتاة حاكتها التجربة، التي لا تستأثر إلا بالنادر من فتيات جيلها، تجربة أعمق من ترهات السياسة و تصارع قمم الجبال نحو السماء، إنها أكثر إنسانية مما نتوقع.
عدت للمنزل محملة بوابل من الأفكار المشرقة المعتمة.. الحزينة المفرحة.. الجريحة الملتئمة.. كلها في آن تراودني كما دائما، لكن المرة هذه أختار منها ما أريد، لأسير في الشارع الطويل المؤدي إلى منزلنا قبل مدرسة الكفيفات مع ثلاثة أخيلة على الطريق، تذهب الأخيلة و بقيت وحدي حين أنار باب المبنى السكني أمامي، و مرة أخرى.... تموت الأخيلة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا امرأة محظوظة تصالحت مع خطوطها الحُمر

رحمة حجة


لعبتُ خارج البيت في طفولتي مع أولاد الحارة وكانوا جميعًا أصدقائي، رغبت في التعليم فتعلمت، رغبت في العمل فبحثت عن وظيفة وحصلت عليها، رغبت في تطوير مهاراتي في العمل، فوجدتُ الفُرصة بين زملائي الذكور، رغبت في تغيير مظهري الخارجي، فتغيّر شيئًا فشيئًا، سمحت لي عائلتي في العمل بعيدًا عن بيت العائلة في مدينة غير مدينتي، ثم سمحت لي في العمل بعيدًا عن وطني، وحاليًا أفكّر أنه حان الوقت لأنجب طفلًا أو طفلة، لذا صرتُ أرغب بوجود رجل يشاركني بناء عائلة. هناك خطوط حمراء في حياتي، فليست كل الطرق سالكة ومفتوحة للضوء الأخضر، فأنا امرأة عزباء تنتمي لعائلة أعطتها أكثر مما تمنّت ورغبت مقارنة بمن حُرمن ذلك، لستُ وحدي حتى لو عشتُ وحيدة، إن تخليتُ عن أحلامي تذكّرني أمي بها، إن تراجعت تقول لي "تقدّمي"، هي المرأة التي عاشت تجربة مختلفة تمامًا عنّي، لكنها لم تحرمنا ما تركته خلف طفولتها حين ارتبطت برجل رحيم كأبي وهي في سنّ الخامسة عشرة، وأنجبت عشرة أبناء، وأتمّت رعايتهم بعد وفاة زوجها وهي في منتصف الأربعين، هل تمنّت أمي في لحظة ما لو لم يكن عليها كلّ هذا الحِمل الكبير في مجتمع اسمها فيه "أر…

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

أن تسرق مالًا ليس ملكًا لأحد.. هل أنت لص؟ قراءة في La Casa de Papel

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم "الخبراء" بقيادة شخص يسمّونه "البروفيسور" ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقية والشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور "عدم قتل أحد"، فركيزة المهمة "نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت" أفكاري حول المسلسل: - قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية: الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد والثقة به، الالتزام بقاعدة "السلاح للدفاع لا للقتل". - السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية. - الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها "أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشر…