التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"مسافر" و لكم ابتسامتي

" أنا مسافر" قالها عبد القادر زيد مبتسما لأصدقائه قبيل رحيله الأبدي، لم يدرك أي منهم أنها ستكون الوداع الأخير. قبل 19 عاما أطلق صرخة ميلاده وفي منتصف تشرين أول الماضي خطفت الرصاصة التي اجتازت هواء المسافة بين مستوطنة بيت إيل ومخيم الجلزون صرخة طفولته البريئة وحولته إلى طائر أسطوري في السماء.

في جولتي الميدانية الصحفية برفقة زميلاتي وزملائي ومدربنا في القصة الصحافية، "اقتحمنا" مخيم الجلزون للبحث عن مصادر لقصصنا حول صحافة البسطاء..صادف يومنا الميداني الأربعين على استشهاد عبد القادر ذهبنا إلى بيته وكانت أسرته منهمكة في التحضير للمناسبة الأليمة، صعدنا درجات المدخل عبر رائحة طعام المناسبة، كانت الدموع بانتظارنا عندما صمتت ملامح الوجوه في البيت وقد جمعها اليوم غياب وجه عبد القادر، الذي لون بابتسامته الدائمة وجوه الجميع، هم يستذكرون روحه في تلك اللحظات القاتلة: أربعون يوماً على غيابه ولا زال الجرح مفتوحاً.

جلسنا في غرفة استقبال الضيوف، بدت والدته يلف عينيها احمرار كشف عن طول بكاء، كانت ترتدي السواد، لا يكسر عتمته غير بياض وجهها الذي يكتنفه حجاب أخضر تلاقى و خضرة شجرة سرو تصور أمامها عبد القادر، لتحمل الصورة الآن طابعا آخر غير ما كان يبرق وميضاً في دلالات استشهاده وموقع جناته وقد استقر المشهد كبيرا في زاوية الغرفة.

أخبرتنا الأم عن لحظة تلقيها الخبر: " رن جرس الهاتف في الثالثة صباحا، و إذ به صوت خالد ولدي من سجن عوفر، يخبرني باستشهاد أخيه، مصبرا إياي بكلماته، و أنا ما زلت أقول له، يا ابني يا حبيبي قول و غيّر... لكنه أخبرني دون شك أن عبد القادر ارتقى شهيداً إلى السماء وكرر ذلك حتى صدقت غيابه". عندما نطقت الكلمة الأخيرة لامست حرارة دموعها وجنتيها، و بدأت كلماتها تهتز أمام صمتنا.

قبل اللحظة التي تأكد فيها الأهل من استشهاد عبد القادر، ظل الشك في موته دافعا للأمل باستمرار نبضه، و استمر الشك من الساعة الثامنة مساء، لحظة سماعهم بما حدث له أمام مرأى الكثيرين، لكن أحدا لم يعرف مصيره: "سحبه المستوطنون إلى داخل بيت إيل وأخذوا بصماته، ليبرروا بها قتله، بأنه حاول دخول المستوطنة" كما أفادت عائلة الشهيد.

هكذا... سافر عبد القادر مع ابتسامته و رضا والديه، مودعا مكان نومه الذي ما فتئ يذكر والدته به، وعلى وسادته خلف أحلاما تراوده كما تراود زملائه في مرحلة الثانوية العامة.. أحلام بإكمال الدراسة الجامعية والسعي لانتزاع شهادتها عسى أن توفر فرصة عمل مقبولة ترد للأسرة شيئاً من وفائها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفوز لحنان والتهنئة للرئيس!!

في صفحتها الأولى، نشرت صحيفة القدس الفلسطينية، في عددها الصادر، اليوم الثلاثاء، تهنئة للرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء رامي الحمدالله، مقدمة من وزير التربية والتعليم صبري صيدم، أما المناسبة، فهي فوز المعلمة حنان الحروب بلقب "أفضل معلم في العالم لعام 2016" إلى جانب الجائزة المالية وقدرها مليون دولار.

منذ مساء الأحد الماضي، إلى هذه اللحظة، ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي، تتناقل وتتبادل خبر فوز المربية حنان الحروب بهذا اللقب، من وسائل إعلام محلية وعربية ودولية وحتى من صحافة الأعداء، أو الإسرائيليين في رواية أخرى.
كل من المهنئين رأى في حنان نفسه، فالنساء اعتبرنه فوزًا للمرأة ونجاحًا لها، وحتى رجال كثيرون تبادلوا الخبر على أنه دليل انتصار المرأة رغم كل معيقات المجتمع الذكوري الذي نعيش فيه، فيما رأى أبناء مخيمات في فوزها فوزًا لهم، إذ هي ابنة مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين (بيت لحم)، ومديرية تعليم محافظتي رام الله والبيرة رأت في نجاحها نجاحًا لهذه المديرية، حيث تدرس في إحدى المدارس التابعة لها، أما طلبة وخريجي/ات جامعة القدس المفتوحة، فاعتبروه أيضًا فوزًا لهم، لأن حنان كانت يومًا …

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

مسلسل "Lost" واختبار الذات

رحمة حجة
أنهيت مسلسل   Lost الأميركي كاملاً، بأجزائه الستة، بواقع ١٢٠ حلقة و٨٦ ساعة، وإضافة للصبر، كانت مسألة البحث عن الذات.
المسلسل مبهر بكل المقاييس، لكن أول ما بحثت عنه بعد إنهاء مشاهدته، هو اسم الكاتب، فالقصة بتفاصيلها وأحداثها وشخوصها وتسلسلها وتداخلات الحاضر مع الماضي والمستقبل في سياق تشويق قل نظيره، كانت بالنسبة لي محور الاهتمام. ولم أجد كاتباً بل ثلاثة، هم: 
J.J Abraham
Jeffrey Lieber
Damon Lindelof
هؤلاء الثلاثة جمعوا في المسلسل بين الخيال العلمي والتاريخ والميثولوجيا والرواية الدينية (قصة البدء بقتل جاكوب لأخيه وتحرر الشر - بدء الخلق وهابيل وقابيل) والسياقات الاجتماعية المتمثلة بعلاقات الحب والكره والانتقام والخذلان والأسى والوحدة والعقاب والغفران، إضافة إلى البعد السيكولوجي، وهو فعلياً مخاض ذلك كله.
وللتوضيح لا يطلق عليهم كتاب وفق الاصطلاح التلفزيوني، إنما Creators وهو قد يكون كاتب القصة والسيناريو أو المخرج أو المنتج للحلقة أو جميعها.
بالتدريج
المتعة الحقيقية في استعراض القصص والأحداث في "لوست" هو الانكشاف والتكشف التدريجي وغير المتوقع أحياناً، إذ يتم في كل حلقة استعادة…