التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحب من الأسماء

قبل أن تنزلي الدرج.. تواجهك رائحة الشواء التي تفتح شهيتك للنظر باتجاهه قبل أن تفاجئي بدخان حريقه الذي يخترق ملابس المارين لاقترابها من رصيفهم، و يختلط بدخان السيارات الغادية و الآتية، و تظل الرائحة رفيقتك حتى آخر الدرج.


امش قليلا صوب مصلى النساء، لتصادفي امرأة على بابه تفرش ملابسا داخلية و أشياء أخرى لا تتجاوز مساحتها كرسيا بلاستيكيا، تعرفين من ملمس القماش أنها صينية من الصنف الرخيص، تظل جاهزة لبيع مرتادات المصلى الكثيرات، ربما تلقين التحية على تلك المرأة و ربما لا تلقينها، و لا تكل الواعظة عن تحذيرها من حرمة البيع داخل المسجد حين تجتاز عتبة المصلى إلى الداخل.


ادخلي المصلى الآن، و لا تنسي خلع حذائك احتراما لحرمة المكان - الذي تثير حدود حرمته لدي بعض التساؤلات- ها أنت في مكان تختارينه بنفسك، لتبدئي صلاة الوقت الذي حان، و قبل أن تبدئي، ألق نظرة حولك للتعرف، و على اعتبار أنك تصلين أمام الدرج الخشبي الذي يصل الطابق الأول بالثاني، تتدلى على حافته كومة من المسابح المتباينة بألوانها و أشكالها و أحجامها، و لهذا الدرج قصة.. فقد شاهدت في إحدى أيام الشتاء فأرا لا يتجاوز حجمه كفة اليد يعبر إلى داخله بسرعة قبل أن يلحظه أحد، لكن الفأر لم يلحظ أنني رأيته، و أكتب عنه الأن.. ربما وجد في ذلك الدرج مأوى له من برد يوم ماطر.


إلى شمال الدرج تتكئ بعض النساء على أحد جدران المكان، تغطي أرجلهن سجادات صلاة، يتبادلن أطراف الحديث حول الأسعار و الطعام، فتسمع أحاديثهن المسابح التي تتخللها أصابعهن، إلى شمالهن مجموعة أخرى من النساء يجتمعن بشكل دائري يقمن بتحضير أوراق العنب "الدوالي" قبل طهوها أو "كبسها" بتقطيع الزوائد الخارجة عن حافتها، تتخلل فتحات الورق بشكل أو بآخر أحاديث عن ذات المواضيع المذكورة، تجلس على يمينهن امرأة تطرز، يرتاح إلى يمينها كيس خبز مفتوح..


أديري رأسك إلى الخلف لتلحظي امرأتان تجلسان على كرسيين بلاستيكيين إحداهما تمد رجليها على كرسي آخر قبالتها، تتحدثان في الطبخ و النفخ، إلى شمالهن امرأة تجلس هي الأخرى مقلبة صفحات الجريدة، لكنها أصغر سنا من اللتان على يمينها.


أديري رأسك يمينا و شمالا لتلحظي عددا من النساء يصلين أو يتحدثن في شيء ما غير الطبيخ.. و الحظي في زاوية الباب فتاة تستعد للدخول ناظرة، تنظر بغرابة لمشهد "تقطيم الدوالي" ، و الآن ابدئي صلاتك..


في هذا اليوم لم تكن الواعظة التي تعودت رؤيتها تشرح للنساء تارة و تنبه غير المستمعات من اللاتي علت أصواتهن ، تارة أخرى. أذكر أني جلست يوما عند مدخل المصلى لأتناول "سندويشة لبنة" كنت أحضرتها معي تحسبا للجوع ال الوقت الذي سأقضيه في مكتبة المسجد، شاهدت يومها الواعظة تفسر للنساء أحكام المواريث بادئة بقراءة الآيات المتعلقة بها من سورة "النساء"، اعتقدت حينها أنها ستقوم بتفسير الآيات إلا أنها شرحتها مكررة الأحكام بنفس صيغة الآيات.. و أشك أن النساء فهمن شيئا!!


"تقبل الله صلاتك" عودي للبس الحذاء، لكن لا تحكمي الرباط إذا نويت التوجه لمكتبة المسجد المحاذية للمصلى، فأنت ستخلعينه مرة أخرى، سيري مترين أو أكثر بنصف، لتفتحي باب المكتبة، ثم ادخلي، و لنخلع أحذيتنا لوضعها على الرف الموجود إلى يمين المدخل، يوجد على امتداد المدخل في آخر الزاوية جهاز كمبيوتر تظهر عليه علامات الكسل المنبئة بنومه منذ فترة طويلة.. ادخلي حافية القدمين، و لتتركي حقيبتك على رف الأمانات إذا كانت كبيرة.. أكملي سيرك على السجاد الأخضر الذي يفرش الأرضية، و تعرفي على زوايا المكتبة التي تمتد بشكل أفقي و عمودي بين كتب التفسير و الفقه و الأحاديث من ضعيفها إلى صحيحها و اجتهادات علماء المسلمين إلى يمينك، و تتمركز في الوسط مجموعة من الطاولات و المقاعد المخصصة لمن يود الجلوس للبحث أو التحدث من رواد المكتبة، إنه جو يذكرني بجلسات العلم في المساجد في عصور الإسلام المضيئة، الزاخرة بالعلم و المنجزات التي وصل صداها العالم، و أذكر أول مرة دخلت فيها هذه المكتبة ، يومها شعرت براحة نفسية أشعرها حين أتنفس بعمق على قمة جبل في إحدى أيامه الربيعية، تنعش نسائمها مخيلتي... بحق إنها نشوة تعتريني كلما دخلت إليها و استمتعت بالبحث عن الكتب و تقليب ثناياها المتباينة بين الفكر و السياسة و العلوم الطبيعية و الإسلامية و الإنسانية و ما يختص بالقضية الفلسطينية.
و على اعتبار المكان موصولا بالمسجد، لا يلبث المؤذن إنهاء الأذان حتى يتنبه الجميع لمناداة الإخلاء.. فقد حان موعد الصلاة، كانت أول تجربة لي فيه حين أذن الظهر وقتها، كنت منشغلة حينها بالقراءة، و ما إن رفعت رأسي حتى تفاجأت بخلو المكتبة و لم يبق فيها سواي، بالإضافة لأمين المكتبة و شخص آخر يناديان من تبقى للذهاب إلى الصلاة، فتوجهت سريعا و إذ هو ممتلئ بالنساء اللاتي يقفن استعدادا للصلاة بعد إقامتها؟
ها هي رائحة الشواء.. تودعنا كما استقبلتنا لتفتح الشهية لكن دون التوجه بالنظر إلى مصدرها!! و هكذا انتهى يومنا في مسجد جمال عبد الناصر أو الشهداء أو الببيرة أو سيد قطب، و لأن الفضول جذبني لمعرفة الاسم الحقيقي، دعينا نتوجه إلى مدخل المسجد الرئيسي، يا الله...
لا يوجد اسم محدد، لكن الواضح أن أحدا قام بمحي اسم جمال و يظل"عبد الناصر" بلون أسود، مكتوب تحته بشكل رسمي أكثر مسجد البيرة، و بشكل رسمي و واضح أيضا كتب اسم مسجد الشهداء، هي حيرة أخرى تخلقها الأسماء دوما.
و إن حيرتنا الأسماء أو اخترنا ما نفضله منها، يظل مسجدا يجمع تحت سقفه و في ظلال ممراته أشتات القرى المارين عليه بعد عناء نهار في رام الله، بمختلف الأعمار من الرضيع إلى المشتاقين إلى الجنة، و يجمع مغتربي الوطن الذين أتى بهم قدرهم لهذه المدينة سواء للدراسة أو العمل .. إنه الوطن، الوطن المتعب النشيط، العاجز القادر، الرابح الخاسر، الجريح الملتئم.. و كل ما يروق لك حول شعب الكادحين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفوز لحنان والتهنئة للرئيس!!

في صفحتها الأولى، نشرت صحيفة القدس الفلسطينية، في عددها الصادر، اليوم الثلاثاء، تهنئة للرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء رامي الحمدالله، مقدمة من وزير التربية والتعليم صبري صيدم، أما المناسبة، فهي فوز المعلمة حنان الحروب بلقب "أفضل معلم في العالم لعام 2016" إلى جانب الجائزة المالية وقدرها مليون دولار.

منذ مساء الأحد الماضي، إلى هذه اللحظة، ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي، تتناقل وتتبادل خبر فوز المربية حنان الحروب بهذا اللقب، من وسائل إعلام محلية وعربية ودولية وحتى من صحافة الأعداء، أو الإسرائيليين في رواية أخرى.
كل من المهنئين رأى في حنان نفسه، فالنساء اعتبرنه فوزًا للمرأة ونجاحًا لها، وحتى رجال كثيرون تبادلوا الخبر على أنه دليل انتصار المرأة رغم كل معيقات المجتمع الذكوري الذي نعيش فيه، فيما رأى أبناء مخيمات في فوزها فوزًا لهم، إذ هي ابنة مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين (بيت لحم)، ومديرية تعليم محافظتي رام الله والبيرة رأت في نجاحها نجاحًا لهذه المديرية، حيث تدرس في إحدى المدارس التابعة لها، أما طلبة وخريجي/ات جامعة القدس المفتوحة، فاعتبروه أيضًا فوزًا لهم، لأن حنان كانت يومًا …

في وداع العشرينات والاقتراب من الثلاثين!

رحمة حجة


كالثانية عشرة "منتصف الليل"، يقف الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر في عنق الأيام، هل أقول إنني في التاسعة والعشرين من عمري أم في بداية الثلاثين؟ بالأحرى كيف تتأكد أن الساعة 12:00 هي "فجرًا" وليست "مساءً"؟
أتكئ على العشرينات من عمري استعدادًا للدخول في معترك الثلاثين، وأقول للحياة "شكرًَا"، على كل ما منحته أو أخذته مني، على نعم لا تُحصى، وعلى كدمات لم تُشفَ بسهولة، لولا أنني أحبها  تلك "الحياة"، وأقبل عليها كما الأسد على فريسته.
في التاسعة والعشرين، أدخل حالة "بينَ بين"، فهذه السنة الأخيرة ضمن عقد سيكون بعد قليل "مضى"، عقد كامل في عمر العشرينات، درست خلاله وجلستُ في البيت عاطلة عن العمل وذقتُ الحبّ الذي لا يليق بي، ثم صرتُ عاملةً لكي أزيح تعب العُمر عنّي، هذا العُمر الذي "فجأة" مرّ دون الكثير من الإنجازات، وتخلله كثير الأمنيات وقليل النضال من أجل تحقيقها.
هذا العُمر صعب، يجعلك تفكر جديًا في ما قمت به سابقًا، ماذا فعلتَ من أجل نفسك؟ لم؟ كي تحفظ ماء وجهكَ أمام "الثلاثين"؟ ثم تحاول خلال عام كامل…

مسلسل "Lost" واختبار الذات

رحمة حجة
أنهيت مسلسل   Lost الأميركي كاملاً، بأجزائه الستة، بواقع ١٢٠ حلقة و٨٦ ساعة، وإضافة للصبر، كانت مسألة البحث عن الذات.
المسلسل مبهر بكل المقاييس، لكن أول ما بحثت عنه بعد إنهاء مشاهدته، هو اسم الكاتب، فالقصة بتفاصيلها وأحداثها وشخوصها وتسلسلها وتداخلات الحاضر مع الماضي والمستقبل في سياق تشويق قل نظيره، كانت بالنسبة لي محور الاهتمام. ولم أجد كاتباً بل ثلاثة، هم: 
J.J Abraham
Jeffrey Lieber
Damon Lindelof
هؤلاء الثلاثة جمعوا في المسلسل بين الخيال العلمي والتاريخ والميثولوجيا والرواية الدينية (قصة البدء بقتل جاكوب لأخيه وتحرر الشر - بدء الخلق وهابيل وقابيل) والسياقات الاجتماعية المتمثلة بعلاقات الحب والكره والانتقام والخذلان والأسى والوحدة والعقاب والغفران، إضافة إلى البعد السيكولوجي، وهو فعلياً مخاض ذلك كله.
وللتوضيح لا يطلق عليهم كتاب وفق الاصطلاح التلفزيوني، إنما Creators وهو قد يكون كاتب القصة والسيناريو أو المخرج أو المنتج للحلقة أو جميعها.
بالتدريج
المتعة الحقيقية في استعراض القصص والأحداث في "لوست" هو الانكشاف والتكشف التدريجي وغير المتوقع أحياناً، إذ يتم في كل حلقة استعادة…