الثلاثاء، مارس 21، 2017

في إندونيسيا.. فن البقاء وحلم الخلود




رحمة حجة

ذكرت في مقالي عن سلسلة أفلام "إثيوبيا على الأقدام" أن الذي تفوق على الإعلامي لؤي العتيبي هو لؤي العتيبي نفسه ولكن في "إندونيسيا".. خمسة أفلام وثائقية من جزر متنوعة، بحثًا عن التنانين والأفاعي النادرة حينًا، وحينًا آخر عن عادات القبائل التي تعيش على حالها منذ آلاف السنين وترفض نفسها خارج مكانها وزمانها، وثالثها عن "احتفالات" ما بعد الموت وهواجس حول الخلود.
والفيلم السادس، خصصه العتيبي، للحديث عن كواليس التصوير التي أدهشتنا خلال الأجزاء الخمسة السابقة. وحين شاهدتها قررت أن تكون الكواليس هي آخر ما أرى، حتى وصلت إليها بمنتهى الشوق والفضول.
في الموسم الثاني من "اكتشاف المجهول" الذي تنتجه "الجزيرة الوثائقية"، كانت انفعالاتي مضاعفة عن الموسم الأول، شعرت بالصدمة حينًا، وبالخوف من تجارب العتيبي حينًا آخر، وتفاعلت مع بعض المشاهد بالضحك، أو ترقب أفعاله، خاصة حين كان يُعرض عليه طعام قوامه حشرات حية نيئة أو لحم أفعى مطهو أو أي شيء غريب جدًا عن الثقافة المألوفة للطعام في مجتمعاتنا العربية.
الدهشة والمتعة والفائدة، فلازمتني طيلة ساعات المشاهدة لصور غاية في الروعة التقطتها عدسة مصور واحد وهو إللي كرم، الشيء الذي فاجأني، فكيف لمصور فقط أن يقوم بكل ما رأيته، وبكل هذا الإتقان والاحترافية، التي رافقها نقاء الصوت، بحيث أدت المشاهد دورها في إمتاع السمع والبصر معًا.
وفي هذه السلسلة نكتشف جمال الاختراع المسمى "الكاميرا الطائرة"، التي التقطت مساحات شاسعة من الجزر والمياه الإندونيسية من ارتفاعات عالية وبشكل جذاب جدًا.
كما أظهرت هذه السلسلة أهمية تمتع الإعلامي المختص ببرامج الرحلات والمغامرة، بمهارات عديدة، تناسب المكان الذي يقصده، كالسباحة والمشي لمسافات طويلة والصبر على سفر أيام طويلة في الماء والغوص والتعامل مع الحيوانات كالأفاعي وتنانين "الكومودو"، إضافة إلى امتلاكه الجسم الرياضي الذي يمكنه من فعل كل ذلك، ووفق الكواليس كان العتيبي على معرفة كبيرة بما سيواجهه من مخاطر ومجازفات، لذا كان مستعدًا نفسيًا وجسديًا، وبدا متحمسًا في الفيديوهات أكثر من كونه متوجسًا، كان مقبلًا ويقول "هل من مزيد؟" ولم يتراجع عن أي خطوة، ومن المهم معرفة أن المخاطرة ليست مجرد استعراض للقدرات، فكما أكد في الكواليس وجود مجموعة من الخبراء والأطباء معه الذين رافقه كل منهم وفق موضوع الرحلة، الذين سيتدخلون في حال حدوث أي خطر مفاجئ.
والمختلف في هذه السلسلة غياب المترجم عن المشهد، إذ كان العتيبي يتحدث العربية ويتم الرد عليه بلغات مختلفة نرى ترجمتها على الشاشة، وهذا يحتاج جهدًا كبيرًا ومحترفًا في تصوير المشاهد التي قد تتم إعادتها لأكثر من مرة كما يتطلب جهدًا إضافيًا في غرف المونتاج. ولك أن تتخيل هذه الفكرة في بيئة من الغابات المطيرة أو ضمن طقوس دفن الموتى أو استخراج جثثهم من القبور أو عند الحديث على قارب في منتصف البحر الخالي إلا من عائلة صغيرة وطاقم العمل.
ولبراعة التصوير يظهر العتيبي دائمًا كأنه يسافر وحده، وكأننا نرى شخصًا يمثل مشاهد حية أمامنا، وليست مسجلة وممنتجة ومعدّلة، وهذا أعتبره ميزة تفرّد بها هذا البرنامج عن سواه.
وإذا كان الموسم الأول استهدف إظهار التنوع وتعايش بين الأفكار والحيوات المختلفة في إثيوبيا، فهذا الموسم كانت ثيمته هي الحياة والموت، أو بالأحرى استكشاف فنون البقاء ورصد الحلم بالخلود على مستوى الروح والجسد.
في سلسلة أندونيسيا أتأكد بساطة الحياة بعيدًا عن كل الأفكار والفلسفات والديانات والعلوم التي ابتكرتها البشرية، رجال ونساء يسيرون ويمارسون جميع أعمالهم اليومية، عرايا، ويتشاركون الأعمال بينهم، المرأة مثل الرجل، كلاهما له دور في تحصيل الرزق، وكلاهما يعمل برضا ويغني، ما يدل على أن الإنسان في أساس رؤيته للحياة أبسط بكثير مما أضافته لنا أفكار "الحرام والعيب والممنوع"، ويثبت أن نظرتنا عن أجسادنا ولأجسادنا هي نتاج كل ما تعلمناه، ونتاج كل ما نخافه، لذا لا يبدو أن المرأة كفكرة هي أداة متعة وأي شيء يكشف من جسدها هو مجال ل"الفتنة"، كما سيبدو المشهد لو أن هذه المرأة سارت عارية الصدر في أحد شوارع المدينة.
ويعيش أبناء قبائل الكورواي والمنتاوي بكرامة، متصالحين مع البيئة حولهم. أمهم الطبيعة، وهم أبناؤها الصالحون.
كما توضح هذه السلسلة أن مفهوم "ضار" و"نافع" هي مجرد أفكار ترتبط بالاعتياد. فالذين يعيشون الحياة البدائية يأكلون أي شيء حولهم من حشرات وفئران ونمل وخنازير ودجاج وأخشاب وأوراق، ويسيرون بكامل صحتهم، ويتكيفون مع المحيط بسبب ذكائهم وقدرتهم على الاستفادة من أي شيء لصنع أدوات وملابس وحلي وألوان، إنهم مخترعون وعلماء لكن في بيئتهم، منفصلين عن كل ما يملأ عالمنا.
وأضافت لي هذه السلسلة قيمة حية من تجارب البشر، بأن الإنسان بالفعل قادر على فعل أي شيء ويستطيع العيش بأقل القليل، إذا اعتاد ذلك.

يوم مع أحفاد الديناصورات
يصحبنا العتيبي في هذا الجزء من سلسلة أفلام إندونيسيا، لاستشكاف حياة تنانين "الكومودو" في إحدى جزر"كومودو" الخمسة. يتابعها تسير، وحين تهاجم فرائسها، ويسبح معها، كما يوثق عملية اصطياد أحدها من خلال مغامر من المنطقة يوثق أطوال التنانين وملامحها، ليضيفها لقاعدة بياناته. وفي هذا الجزء يمسك بأفعى "باثون" وهي من أخطر الأفاعي الموجودة في المنطقة، ويخوض معها صراع عضلات، وأعتقد أنه لولا القوة العضلية والتدريب الذي يملكه في التعامل مع الأفاعي لم يكن سيتمكن من إمساك بها حتى إنهاء التصوير، قبل أن يطلق سراحها.

لماذا يأكلون لحم البشر؟

يسافر العتيبي مسافة أيام في النهر حتى يصل إلى غابات لم تصلها يد الإنسان الحديث، بل تسكنها قبائل "الكورواي" الذين يعيشون في بيوت معلقة على الأشجار، بطريقة خيالية. يوثق معهم لحظات بناء بيوتهم وبحثهم عن الطعام يومًا بيوم، إضافة لفعالية الأدوات البسيطة جدًا وقوامها أغصان الشجر والحجارة، تلك التي يستخدمونها لإنجاز مصالحهم. يسير الرجال يرتدون شيئا أقل مما يرتديه طرزان، والنساء يغطين المنطقة السفلية فقط من أجسادهن. لكن لماذا يأكلون البشر؟ هذا ما سأله العتيبي وتمت الإجابة عنه.


"والله مني عارف إيش المنانا فيها"

في الوقت الذي يبدو الدين أبعد فكرة نتصورها عن قبائل الكورواي، يظهر قبائل المنتاوي طقوسًا قريبة من الدين، هدفها التقرب من الأرواح الطيبة وطرد الأخرى الشريرة، وهم يصنعون الحلي لأنفسهم، كما لديهم معتقدات يتوارثونها من جيل لجيل، أهمها الأوشام، تلك التي تمثل رموز حياتهم اليومية في الجزيرة. يأكلون أي شيء قد تتصوره ولا تتصوره!


البحث عن الخلود

المشاهد في هذا الجزء متعبة جدًا، مكلفة جدًا، غريبة جدًا، وصادمة أكثر! لماذا تبقي العائلة الفرد الذي يموت منها شهورًا داخل البيت قبل دفنه؟ لماذا تدفن في المغارات؟ أو في داخل الأشجار؟ ولماذا يتم إخراج الجثث وتنظيفها؟ هذا وأكثر يحدث في قبائل التوراجا، هم غير مسلمين، ويعيشون في مناطق حضرية، والذين أسلموا منهم لم يتوقفوا عن ممارسة ذات الطقوس.


"غجر المياه"
صحيح أنني استمتعت وتفكرت بحياة كل القبائل التي شاهدتها في الأجزاء السابقة، إلا أن هذا الجزء هو أمتعها، وأقربها إلى القلب. لدرجة تمنيت أن أعيش حياة أولئك الأشخاص. مياه البحر بيتهم، يصطادون ويطهون طعامهم في قوارب بسيطة جدًا، ويبيعون مما يصطادون. منهم من يعيشون في بيوت بعيدة عن الساحل ومنهم من اختار البقاء داخل الماء. يغوصون بسرعة ومهارة عالية دون أي أدوات مساندة سوى النظارة المائية.

هناك تعليقان (2):

اخبار سيارات يقول...


http://saudiauto.com.sa


______________________
name الاسم

اخبار سيارات

_______________________

الايميل email بريد الكتروني


saudiauto7@gmail.com

________________________

التعليق comment


thank you

اخبار السيارات

أسواق أونلاين يقول...

جيد