في متحف الشعوب.. الجمال من زواياه المختلفة





رحمة حجة


ابتسمت الشابة الأثيوبية حين أخبرتها أنني أحب موطنها، وغطت وجهها نظرة باردة ظنًا منها أنني أجامل فقط، وسرعان ما تحول البرود إلى دهشة، لأنني حدثتها حول انطباعاتي عن إثيوبيا بناء على عشرة أفلام وثائقية شاهدتها، وكل فيلم مدته ساعة تقريبا.
 سألتني عن اسم القناة التلفزيونية التي أولت كل هذا الاهتمام لبلادها، ثم تغير مجرى الحوار بيننا بعيدًا عن المنتجات التي تبيعها في متجرها الصغير في تجمع متاجر ومقاه شرق أوسطية وأفريقية في إحدى مدن ولاية فرجينيا الأميركية.
ولم أكن أعرف من إثيوبيا سوى وجوه سمراء غير ممتلئة، تظهر فيها الكثير من التجاعيد التي لا تعكس أعمارها بالضرورة، وأجساد نحيلة يشترك فيها الرجال والنساء، إضافة لمعلومات بسيطة جدا عن هذا البلد دون أدنى إبهار يُذكر. حتى شاهدت "إثيوبيا على الأقدام" للإعلامي لؤي العتيبي، وإنتاج "الجزيرة الوثائقية"، ضمن سلسلة وثائقيات عنوانها "اكتشاف المجهول"، وإثيوبيا رحلتها الأولى. وكلما تعرفت بإثيوبي أو إثيوبية، أحدثهم عما شاهدته وأحببته في بلادهم، ثم تنسدل منهم الحكايات عن تلك البلاد التي هاجروا منها إلى هنا من أجل كسب العيش وربما لحياة أفضل. وأكثرنا، رغم قراراتنا الحاسمة بهجرة بلداننا، نشعر بفخر وغرور جميل حين يمدحها غريب أمامنا ويقول إنه "يحبها"، كأنه يوقظ مشاعر نسيناها لفترة ما.

ملامح البلاد في 10


الجزء 1: يتنقل العتيبي وينقلنا معه بين أربعة أماكن في إثيوبيا من بوابة "مينيليك الثاني" ثم مرتفات البلاد الشمالية التي تأوي قرود "الجيلادا" ولا يمكن رؤيتها سوى هنا، ومنها إلى كنائس لاليبيلا المحفورة في صخور أرضية، بغاية الإبداع في الهندسة والتصميم، وبعدها إلى كنيسة "المغارة العائمة" التي رأى فيها آلاف الهياكل العظمية.

الجزء 2: وفيه يصطحبنا العتيبي إلى ثلاث نقاط في مقاطعة "عفار" شمال شرق إثيوبيا، بدأها بزيارة بعض السكان البدو المسلمين من العفاريين، وإذا أفادت مصادر تاريخية بأن جذورهم يمنية، ستلحظ ذلك بنفسك من ملامح رجالهم وطريقة لباسهم وحملهم للخناجر. بينما النساء يرتدين أزياء إسلامية وغالبيتهن محجبّات، وبعض الشابات يظهرن جدائلهن الرفيعة مالتي تعتبر ميزة للجمال لدى هذه القبيلة، ثم ينتقل لأشد المناطق حرارة في البلاد ومن أنشط البراكين حول العالم،الواقعة في جبال "آرتي ألي" والمشاهد التي عرضها للبراكين ليلًا وفجرًا، أراهن أنها ستكون من أجمل ما رأت أو سترى عيناك، وأخيرًا يذهب لحصاد الملح مع الحصّادين من العفاريين. 

الجزء 3: وهنا ينجح صديقنا في صعود مرتفعات جبلية شاهقة حتى الوصول إلى كنيسة أثرية تعود للقرن الخامس ميلادي ويقلب بين يديه صفحات إنجيل بنفس عمر الكنيسة، فهل ما زالت الرسومات والخطوط واضحة أم تلاشت مع الزمن؟ وبعد الهبوط بسلام يواصل الرحلة نحو قرية "النجاشي" وهو الملك "الذي لا يظلم عنده أحد" واشتهر في تاريخ الإسلام بسبب حمايته للمسلمين في بداية الدعوة المحمدية من ظلم أهالي قريش حين لجؤوا إليه وطلبوا منه الأمان، ومن ضريح الملك وأضرحة عدد من الصحابة المسلمين، ينتقل إلى دير "دوبريه دابو" الذي يعود في تأسيسه للقرن السابع.

الجزء 4: إلى أكسوم جوندار كانت الوجهة هذه المرة، حيث المكان الذي شهد مولد إمبراطورية أكسوم في أفريقيا، وهناك رأينا القصور الأثرية والمسلات المرتفعة وحمامات "فاسيليديس" التاريخية حيث يحتفل الأثيوبيون سنويًا فيه ضمن مهرجان "تيم كات"، ثم يقوم بزيارة كنيسة "دبريه بورهان" المقامة في القرن السابع عشر.

الجزء 5: عنوانه بحيرة تانا، وهي مركز عديد من الجزر ومصب عديد الأنهار، يتجه فيه العتيبي نحو شلالات نهر النيل الأزرق بمياهها ذات اللون الطيني، مستعرضًا قبل الوصول إليه زمنًا من وحدة الإثيوبيين بمسلميها ومسيحييها إلى جانب ملكهم "فاسيليديس" ضد الحملات التبشيرية البرتغالية وطردها خارج البلاد، واستراحة قصيرة تعتبر من أمتع الأوقات التي يمكن أن يقضيها شخص في حياته حين يتناول قهوته إلى جانب الصوت الهادر للمياه. ومنه يبقينا في أجواء مائية تنتهي بزيارة كنيسة "تيرانا ميريت" المبنية في القرن الرابع عشر.

الجزء 6: نلتقي فيه قبائل السورما الذين يعيشون حياة بدائية جدًا، ومن حيث المعيشة والمأكل والملبس كما نتعرف إلى سر الشفاه والآذان المتدلية لنساء القبيلة، والصفة التي تجعل المرأة "مناسبة للزواج".

الجزء 7: وفي بحيرة "شامو" نتعرف على تماسيح النيل الأزرق وعلى عادات الصيد لدى صيادي المنطقة المحيطة، الذين يقطعون أميالًا بقوارب خشبية بدائية جدًا، بالإضافة إلى عدد من الحيوانات التي تعيش في المياه أو حولها، مثل فرس النهر.

الجزء 8: ونرافق العتيبي إلى وادي "أومو" للتعرف على قبائل "الهمَر"، ويختلف السكان هنا عن "السورما" في جميع الجوانب التي ذكرناها أعلاه، وسيبدو واضحًا بالنسبة لك انعكاس طبيعة حياتهم على أجسادهم الممتلئة مقارنة بسابقيهم. ولدى نسائهم حرف فنية إبداعية في تصميم الأزياء والحلي بأشكال أصيلة وغير تقليدية، وأشك أن مصممًا عالميًا لم يتقتبس منهن إلى الآن.

الجزء 9: تلقب "هرر" بمدينة "العلم والعلماء"، ويلتقي فيها العتيبي رجلًا مثقفًا يجمع من الكتب والمصاحف أهمها وأقدمها داخل متحف أنشأه بنفسه وأخذ على عاتقه هذا الاهتمام بالعلم والحفاظ على موروث بلاده منه، يتصفح العتيبي العديد منها، بينها مصاحف بنسخ نادرة وتعود لمئات الأعوام. ومن العلم إلى إدمان "القات" ضمن جلسات اجتماعية، ومما قاله أحد الشبان في تلك الجلسات "يساعدنا على التأمل والخيال ويمنحنا سعادة ولكنها مؤقتة سرعان ما تنتهي مع استيقاظنا في الصباح التالي. هي عادة غير جيدة، وقد تكون خطيرة، ونعرف ذلك، لكن لا مناص، إنه إدمان". وينتهي هذا الجزء بلقاء صديق الضباع، الذي عقد معها اتفاقية خاصة للسلام تقضي بإطعامها ليلًا.

الجزء 10: يبدأ هذا الجزء بخوض العتيبي تجربة إطعام الضباع بنفسه، هل سينجح فيها؟ وبعدها ينقلنا إلى أجواء حديثة في مدينة أديس أبابا عبر زيارة أسواقه وبعض متاجرها، بالإضافة إلى توثيق إعداد القهوة وفق التقاليد الإثيوبية، كما يأخذنا في زيارة إلى محطات إذاعة وتلفزة في العاصمة.

ماذا رأيت؟ 


أصبت بحب هذه البلاد. عشقت تنوعها وتصالحها مع نفسها رغم الاختلافات الكبيرة بين منطقة وأخرى، وفق ما أظهرته الأفلام جميعها، التي نقلتنا بين جبل ونهر وصحراء وغابة وكنيسة وجامع، بين قرية ومدينة ومساكن بدوية وقبلية، تشعر في السير بينها بهذا الاتساع الهائل والامتداد المعرفي اللانهائي. وفرحت بوجود هذا التناغم، لكن فرحتي لم تكتمل حين بدأت البحث والقراءة عن الأوضاع السياسية فيها، التي اشتعلت أواخر عام 2015 واستمرت على امتداد عام 2016 من خلال احتجاجات عارمة ضد قرارات حكومية، قضى بسببها المئات (الجزيرة - ماذا يحدث في إثيوبيا؟) وربما أكثر، عرفت بعض أسباب هجرة أهلها.
وبالنسبة للأفلام نفسها، كانت ميزتها أنها أعطت الكثير من الأماكن حقها معرفيًا وبصريًا، وهذا يدل على الجهد المبذول في التحضير والإعداد، على سبيل المثال، تصوير عملية الصعود والهبوط إلى الكنيسة المعلقة بالجبل، ومراقبة البراكين بين الضوء والعتمة، والشرح المكثف عنها، بالإضافة إلى تصوير عملية تسريح الشعر وصناعة الملابس لدى نساء "الهمر"، وبالفعل كانت الحرفية في الصناعة لافتة وكدت لا أصدق أن هذا من صنعنهن وتوقعت أنهن قد ابتعنه من المدينة مثلًا أو من تجار رُحّل، حتى شاهدت بعيني الخطوات والأدوات، وأيضًا توثيق لحظات توسيع الشفاه السفلية لنساء "السورما"، خصوصًا أن مثل تلك الهيئة رأيتها في صور عديدة سابقًا لقبائل أخرى وكان الأمر محيّرا بالنسبة لي. 
اللهجة العامية في "السكريبت" لم ترق لي في البداية، لكن ميزة لهجة العتيبي قريبة جدًا من الفصحى، لولا أنه استخدم لهجة مدنية في بعض الأحيان، لكن بالمجمل كانت أكثر مرونة بالنسبة لموضوع الأفلام نفسها المليئة بالحركة ولحظات التوثيق للنظرة الأولى وردود الفعل التلقائية، وتخيلت لو أنه تكلم بالفصحى في بعض المشاهد، سيبدو الأمر متكلفًا وربما مضحكًا. 
لؤي العتيبي ليس مقدم برامج فقط، إنه يعشق ما يقوم به، ويمنحنا أهمية التجربة والمحاولة بشكل عميق، وإن أدهشني في هذا الموسم، وكان بالنسبة لي النموذج رقم (1) للإعلاميين العرب المختصين ببرامج الرحلات والمغامرة، فقد تفوق عليه لؤي العتيبي في أندونيسيا. 
لم يسخر أو يقلل من القيمة الحضارية للقبائل التي تعيش حياة بدائية، ولم يهتم كثيرًا بإبراز رأيه على حساب المعلومة، حتى حين تحدث عن صفات الجمال بالنسبة للشفاه المتدلية، صحح نفسه وقال إن هذا الأمر بالنهاية مجرد ثقافة أخرى ويراه غريبًا لأنه ليس مألوفًا في بيئته. تسلق الجبال وأطعم الضباع ووقع عن القارب ثم كرر المحاولة، ودخل إلى رهبة وخوف الجلوس بقرب الآلاف من الجماجم. والهياكل العظمية، هل يمكن أن يكون هذا الشخص "أكثر"، بالطبع نعم، وهذا ما سأخبركم عنه في مقالي الثاني.
التصوير كان من زوايا متنوعة، فكانت الرؤية موفقة في اللقطات القريبة والقريبة جدا والبعيدة والعلوية، وفي التصوير الذي أخذ على الأغلب بكاميرا محمولة على الرأس أثناد صعود الجبل وتوثيق تلك اللحظات باهتزازها، كان جميعه أخاذًا.
ولفتت الموسيقى انتباهي، في اختيارها وفقًا للديانة وطبيعة المكان.
لدي أفكار عن دور المرأة والنظرة لها وعن الحياة الأولى للإنسان، لكنّي سأوردها في مقالي الثاني الخاص بأندونيسيا، لأنني حين شاهدت الموسم الثاني من "اكتشاف المجهول" شعرت أكثر بنضوج الرؤية ووصلت لنقطة التفاهم بيني وبينها.

تعليقات

‏قال Blogger
eToro صفقات التداول المفتوحة في 227,585,248

eToro هي السوق الرائدة للجيل التالي من المتداولين والمستثمرين. بإمكانك تحقيق أرباح مباشرة من خلال التداول عبر الإنترنت وقيادة خمسة ملايين متداول اجتماعي حول العالم، والحصول على الأموال باعتبارك تمثل جيلاً جديداً من مدراء الصناديق عندما ينسخ الآخرون استثماراتك.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"