الأحد، فبراير 05، 2017

"اشتباك": مكان واحد وكاميرا تهتز باستمرار

الزمن: بعد سقوط حكم محمد مرسي
بطولة: هاني عادل ونيللي كريم
إخراج وسيناريو: محمد دياب
سيناريو ٢: خالد دياب


رحمة حجة
تم تصنيف الفيلم المصري "اشتباك" على أنه واحد من أفضل عشرة أفلام تم تقديمها خلال فعاليات مهرجان "كان" السينمائي، منتصف العام الماضي ٢٠١٦، (روسيا اليوم). 
الفيلم للمخرج والسيناريست الشاب محمد دياب المتميز في أعمال سابقة مثل "الجزيرة، أحلام حقيقية، ٦٧٨"، والذكي أيضًا في اقتناص الأفكار والقصص من صُلب الواقع المصري، المدفوعة برؤيا جديدة وغير نمطية للقضايا التي تنال النصيب الأكبر من حياة المصريين. 
وأعتبر نفسي محظوظة لأنني تعرّفت بهذه الأعمال المذكورة جميعها، إضافة إلى عمله الأخير "اشتباك".

توصيف 
"اشتباك" من أفلام المكان الواحد تقريبًا، إذ يتم حشد مجموعة من المصريين "صحافي يحمل جنسية أميركية، مصور، عناصر من جماعة الإخوان المسلمين، مناصرون للإخوان، مجموعة ضد الإخوان، أشخاص لا علاقة لهم بالتظاهرات، وعسكري مسيحي".
وعادة ما تكون ركيزة هذه الأفلام الحوار بين الشخصيات الموجودة داخل ذلك المكان المغلق. وإن كان الحوار لا علاقة له بالمفهوم أساسًا. 
ويشبه هذا الفيلم، نظيرة الفلسطيني "ديغراديه" (إنتاج عام ٢٠١٥) الذي يجمع نساء من مختلف التوجهات والأحزاب الفلسطينية داخل صالون نسائي، ويدور التفاعل حينذاك. 
وهذه الأفلام تبدو في الفكرة بسيطة وسهلة المنال، إلا أن قوتها في خلق تلك الشحنات من التفاعل بين الأفراد الموجودين أو ربما يكون فردًا واحدًا يعيش مع ذاكرته ومونولوجاته، بالإضافة إلى الذكاء في التكثيف والاختزال للأفكار خاصة إذا كان فيلمًا سينيمائيًا وليس مسلسلًا. 
مدة "اشتباك" ٩٧ دقيقة، وتم تصويره بكاميرا متحركة بالتزامن مع حركة "البوكس" في مركبة قوى الأمن المصرية، الذي يحتجز المعتقلين، كما تتحرك عند تأثره بالمحيط الخارجي حوله من المظاهرات، ولوهلة تشعر أنك تشاهد فيلمًا وثائقيًا تم تصويره بكاميرا هاتف محمول، ولكن التصوير عالي الجودة، معبّر، فنّي، وتوثيقي ودرامي في آن واحد، إنه مزيج من الإبداع. 


يحاول الفيلم أن يقول لك إن أولئك المحتجزين المختلفين فكريًا، الذين يتخاصمون ويتعاركون بالأيدي ويلقون على بعضهم تهم التخوين في بداية المواجهة مع بعضهم البعض، سيجدون ببساطة سببًا قد يضحكهم جميعًا (الإخواني الذي يغني)، وآخر يشرع نافذة أحلامهم (أميركا) وثالث يوحدّهم من أجل فرد فيهم (حاجة الطفلة الإخوانية للتبوّل)، ويخلقون فرصة لتحقيق العدل بينهم جميعًا في لحظة يمكنهم فيها الاستبداد والاستحواذ على مصادر الحياة (الهواء، الماء.. مثلًا)، ومن أبدع المشاهد في الفيلم حين يدورون جميعهم في حلقة بجانب نوافذ معتقلهم، من أجل استنشاق الهواء، وبسبب عُطلٍ في المحرّك، يضطّر العسكر إلى دفع المركبة بأيديهم.
الفكرة لسذاجتها غاية في العمق: العسكر يدفعون المركبة التي تضم معتقلين أبرياء، رغم أن بإمكانهم تحريرهم وتخليص أنفسهم من تصعيب المواجهات المحتملة بينهم وبين المتظاهرين! 

ومن المشاهد القوية أيضًا، حين تعلق المركبة داخل تظاهرة يستخدم فيها المتظاهرون إشعاعات الليزر (اللون والصورة والحركة والصوت غاية في الجمال).
أما النهاية فهي عبارة عن أن المركبة تقاد بواسطة عنصر من جماعة الإخوان، لتظاهرة "إخوانية" من أجل فتح باب "البوكس"، وتحرير المعتقلين، لكن المتظاهرين "الهائجين"، حيث لا مجال معهم للأخذ والرد، يسحلون السائق ويفتحون الباب، ليس لتحرير الآخرين، إنما لضربهم، رغم أن بعضهم يصرخ بأعلى صوت "نحن معكم.."، ولم يجد المعتقلون سبيلًا سوى بإغلاق الباب، وينتهي الفيلم بلقطة محاولة المتظاهرين الفتح والمعتقلين الغلق. 

انطباعات
هذا ليس العمل الفني الأول الذي أشاهده مرتبطًا بموضوعة الثورة المصرية (٢٠١١) أو أحداث قبلها وبعدها، وجميع ما شاهدته كان بشكل مباشر أو غير مباشر يتبرأ من فكرة الثورة، ويعدها خطأ، لأن كل ما تلاها يعدّ جحيمًا، وأسوأ من كل سنين القهر والحرمان الماضية، أما العبارات التي تنطق هذه "الحِكَم" فتأتي على لسان عناصر أو مناصرين للنظام السابق، أو عمّال بسطاء من العامّة.
"اشتباك" في الحقيقة لا يختلف عن تلك "الثيمة"، وفي معرض ذكر ثورة "٢٥ يناير" يقول أحد المعتقلين "كانت أحلا أيام".
فريق العمل في مهرجان كان - باريس

كما يتم تجميل صورة العسكر (قوات الأمن)، بأنهم لطفاء و"غلابى" ويساعدون حتى المعتقلين، كما يمنعون حدوث العراك بينهم بالقول "بكرا تقتلوا بعضكم وتقولوا الداخلية عملت كدة"، وبأن استخدام الرصاص الحي بدأ من الإخوان، حيث ظهر قنّاص يقتل أحد الضباط، ويؤيده أحد المعتقلين "الإخوان" ليسكت تأييده "إخواني" آخر لأنه أقرب للمعادلة السلمية وليس "القصاص بالرصاص" وهو أحد شعارات المتظاهرين الإخوان.
وفي مشهد آخر يتحدث الصحافي العامل في "AP" الذي عاش حياته في أميركا، عن ذلك المكان بوصفه "كلها غابات وشجر.. فيها محيطات.. ومزز"، والكل يحدّق بابتسامة الحلم والدهشة، ربما أراد الكاتب منها أن يقول إن هؤلاء جميعًا رغم ما يسعون إليه في بلدهم، لن يقولوا لا إذا فتح باب الهجرة.. باب الرحيل عن هذه البلد "النحس". (كما وصفها المصوّر خلال مشهد سابق).
بالإضافة، القصة أسقطت عمدًا أو بغير قصد (لا يهم)، كل الجرائم التي ارتكبها العسكر خلال وبعد إسقاط مرسي، وركّزت على أن مشكلة المصريين بجميع فئاتهم بينهم "الإخوان" هي "الإخوان". ربما أنا بعيدة عن الواقع المصري، ولكن الصورة هذه لم تقنعني، لكن النهاية أيضًا تعني شيئًا آخر، وهي أن "الاشتباك" مستمر.. لم ينته بعد.

ليست هناك تعليقات: