في باص عمّال عائدة من يافا!




أحداث القصة: آذار ٢٠١٦ بالتزامن مع أحداث عنف في الضفة الغربية والقدس وأراضي ٤٨ أطلق عليها "هبة شعبية" و"انتفاضة ثالثة". 

رحمة حجة

انتهى موعدي في القنصلية الأميركية بمدينة القدس تمام الساعة الثامنة والنصف صباحاً، بالتالي يمكنني الآن إلغاء الإجازة التي طلبتها من مديري في العمل الصباحي، والعودة إلى رام الله، فتسليم أوراقي وجواز سفري لإحدى موظفات القنصلية، تم أسرع بكثير مما توقعت. لكن هل أعود إلى العمل؟ 
سألتني امرأة كانت أيضاً على موعد مع السفارة بعد خروجي: "ماذا حصل؟" أجبتها "لا أعلم، هذه المرة الأولى التي أقدم فيها لفيزا الولايات المتحدة"، أردفت "هل أخذوا جواز السفر" فأجبتها "نعم"، فقالت "مبروك! ستحصلين عليها.." مشيرة إلى أنها بانتظار ابنتها، التي أتت بعد قليل وأبلغتها "البشارة".
ثلاث نساء محظوظات نحن إذاً في هذا اليوم، صعدنا معاً في "تاكسي" واحد لتوفير الأجرة نحو "باب العمود" في القدس.
قررتُ ألا أعود، لأنني على يقين بأنني لن أعود هنا قبل سفري إلى الولايات المتحدة، كما لا أعلم متى سأعود منها، لذا سأستغل فرصة حصولي على التصريح اليوم، وأذهب لزيارة يافا، خاصّة أن الشوق داخلي إليها أكبر من الخيارات الأخرى. 
سألتُ السائق عن الأوضاع والأمن حالياً في القدس والمدن القريبة، وأخبرته بنيّتي زيارة يافا، فحذرني كثيراً، خاصّة بعد مقتل شابين على يد قوات الاحتلال في المدينة قبل أيام، أشرّ لي حينها على مكان قتلهما، إضافة لمقتل شاب آخر بعد طعنه مسؤولاً أميركياً في يافا. 
ثم اقترح السائق أن يوصلني بنفسه إلى يافا مقابل "٥٠٠ شيقل" فأجبته "مفكرني مليونيرة.. ما بدفع ٥٠٠ ليافا"، في نهاية المطاف أخبرته أنني سأغامر، لأن هذه الفرصة نادرة، وأشرتُ أن يوصلني إلى محطة باصات القدس- يافا، وبالفعل، أقلّني هناك.
إخفاء الهوية مستحيلٌ بالنسبة لي مع حجابي، وفي الحافلة الأولى التي تم تغيير موعد انطلاقها في ما بعد، ساعدني يهودي من أصل أفريقي في تفسير طلب السائق لنا للمغادرة وإعادة النقود التي دفعتها له، ثم قال "في هذا الوقت من المهم أن تتعلمي العبرية".
انتقلنا إلى حافلة أخرى، واكتمل العدد للانطلاق، لأكون فيها العربية الوحيدة، محاطة بعدد من اليهود. 
السائق إسرائيلي- يهودي، يتحدث العربية، ابتسم لي بعد دخولي للحافلة، لا أتذكر الكلمتين اللتين قالهما بعد ذلك، لكنه ساعدني في إيجاد محطة انتظار الحافلات الموصلة ليافا القديمة بعد وصولنا "تل أبيب". 
بدأت الرحلة ويدي على قلبي وخفقاته تتسارع وتنقبض، وكلمّا حركت جسدي، تنبّه من حولي، وكلمّا تحرك أحد بجانبي تنبّهت، كنت خائفة منهم، وهم أيضاً خائفون منّي، كلانا خائفٌ من لحظة انفعال انتقامية بيننا.. لكنّي في النهاية لم أقاوم النعاس، ونمت. 
حين أخبرتُ أهلي القصة ارتفع صوت دهشتهم "كيف استطعتِ؟!" قلت "كنت نعسانة جداً.. المهم ها أنا بينكم، لم يحصل لي شيء :)".
اعتمدتُ على ذاكرتي لاختيار توقف الحافلة المتجهة إلى يافا القديمة، لكنني أخطأت، فمشيت مسافة ساعة ونصف بمحاذاة الشاطئ حتى وصلت شاطئ "العجمي"، ورغم جوعي وعدد المطاعم المتوفر في الطريق، فضلت تناول السمك في "العجوز والبحر"، ففي زيارتي الأولى والوحيدة كنت صائمة وكانت مشاهدة البحر قبل الغروب أهم عندي من الجلوس على المائدة مع الآخرين لانتظار الإفطار. 
أتذكر اللحظة الأولى التي وقفت بها في المكان الخطأ قبل الوصول إلى "العجمي"، كانت منطقة مليئة بالفنادق والمباني العالية جداً، شعرتُ لوهلة بصغري الشديد مقابل الضخامة تلك، وهو نفس الشعور الذي راودني حين مشيتُ بين ناطحات سحاب نيويورك، مع فارق العلو. 
حذرني بعض الشبان الذين قابلتهم قادمة وهم عائدون من المنطقة القديمة بيافا، وذلك بأن الشرطة الإسرائيلية هناك تنظر بحذر للعرب خاصة عرب الضفة، فقلتُ لهم شكراً، وأكملتُ طريقي، بهدوء وحذر، ألتقط الصور كأي شخص عادي وأتوقف في الأماكن التي أريد.
نهارٌ كاملٌ قضيته في يافا والتقطت العديد من الصور وتناولت وجبة سمك لذيذة، وتعرفت بأماكن جديدة، وراجعت الأماكن التي زرتها سابقاً لكن في العتمة، وهي الآن تحت الضوء. 
لفتني مشهد الطيور التي تقف على أحد الأسوار المقابلة للبحر، وفتات الخبز المنثور لها، فبدأت تصويرها، ليقترب مني أحد الصيادين ويفتح حديثاً معي، كان إسرائيلياً- يهودياً يتقن العربية، في أوائل الستينات من عمره، يضع لاصقاً على عنقه يصدر صدىً أثناء حديثه، وأنا مع سيري الحذِر زادني هذا الأمر ارتباكاً، رغم أنني فسرتُ في ذهني سبب اللاصق والصدى، لكن الأمر يشبه حين تشاهد فيلم رعب ثم تسمع حفيف الشجر في يومٍ عاصف، أو صوت الثلاجة التي تنتفض فجأة بعد سبات عميق. 
خفت مواصلة الحديث معه كما خفتُ التهرب منه بسرعة، لأكمل وإياه الحديث، أخبرته أنني من رام الله، وأخبرني أنه عمل في أحد السجون الإسرائيلية وعددّ لي أسماء أسرى سابقين عاصرهم في فترة عمله، وعرض علي تصويري فيما أمسك بصنارة صيده، وبالفعل التقطتُ تلك الصورة. 
توقفت عند مجموعة شبّان بجانبهم حافلة، أسألهم "كيف أذهب محطة الباصات العائدة للقدس؟" استغربوا وجودي حين عرفوا أنني من الضفة وحذروني، ثم أشاروا إلى أن أحدهم سيذهب بعد قليل إلى تلك المحطة، ويمكنه أن يقلّني إلى هناك. ترددتُ في البداية، لكنني اطمأننت أن الحافلة عمومية وأخبروني أنها تنقل عمالاً من يافا إلى الخليل، المهم صعدتها، مطمئنة مع قليل من الحذَر. 
في الطريق بدأ السائق يسألني وتعارفنا، وهو شاب مقدسيني عشرينيّ، من حديثه بدا طيباً وخدوماً. واطمأننتُ إليه، ثم طرح عليّ فكرة أن أنتظر معه العمّال وأعود معهم، لأنه بعد إيصالهم للخليل يتجه نحو القدس مارًا بحاجز "قلنديا".
القرار صعب.. امرأة في حافلة ملئية برجال لا تعرف أحداً منهم، لكن أيضاً التجربة مغرية بالنسبة لي، خاصّة أنه سيمرّ بمدن وأراضٍ لا أعرفها، كما يكفي أنني لستُ في باص عادي، إنه ينقل عمالاً يخاطرون يومياً بحياتهم في ظل هذه الأوضاع السياسية الشائكة، من أجل لقمة عيشهم وعائلاتهم. 
بالطبع تغلّب الصوت الداخلي الثاني في رأسي.. شعرتُ أنه قدَري.
وانتظرتُ معه العمّال بالفعل في منطقة اسمها "بيت يام"، قرب شاطئ صغير وجدنا فيه بعض المتنزهين للسباحة. 
الشاطئ كان مليئاً بالأصداف، فبدأت أجمع المميزة منها، وساعدني هو بجمع المزيد. 
حان وقت العودة، وجميع العمال دخلوا الباص، أخبرهم أنني قريبته وسيوصلني معهم. عمّال كما جميع العمّال، متعبون بعد يوم طويل، توقعتُ أن أسمع أحاديث أكثر منهم بينهم، لكن كانوا هادئين أكثر مما توقعت، أنا في المقعد الأول، والنافذة مفتوحة على نسيم البلاد، وصوت السائق المقدسي يؤشر لي لأسماء المناطق بقربنا أو التي نشرف عليها من بعيد، وأتذكر حقولاً خضراء واسعة إلى جانبي الأيمن، وشارعاً واسعاً أمامي، الجميع تقريباً غفا في الطريق، وأنا أيضاً.
وصلنا الخليل عبر إحدى قراها الجميلة، ونزل العمّال جميعهم. ثم واصلنا الطريق إلى القدس، ومررنا بالحواجز التي تتكرر أسماؤها في أخبار قتل الشبّان وطعن الجنود. 
ومن يافا إلى الخليل ثم القدس، كانت الخارطة في رأسي حواجز ونشرات أخبارٍ تتناقل صورًا لشبّان ممدين على الأرض مضرّجين بدمائهم. 
وصلنا حاجزًا قرب بيت لحم، كانت المرة الأولى التي أعبره، أساساً ظننته في القدس، حتى أخبرني السائق بعد مرورنا عنه، وكان حاجز عتصيون.
كيف مررنا عنه؟ قال لي إنني يجب أن أسير عبره لدخول القدس وهو سينتظرني لأنه سيمر من طريق آخر مخصص للمركبات، قلقتُ بعض الشيء لأنني لم أفهم أين أنا تحديداً حينها وفكرتُ "ماذا لو تركني هنا؟!"، دخلتُ سرداباً طويلاً معتماً بمسربين، للذاهبين والقادمين، ثم خرجت إلى طريق مفتوح، توقعت أن "حافلة القدس" ستكون على يساري، واتجهت إلى اليسار مخطئة، لأكتشف ذلك بعد وصولي وحيدة في شارعٍ مفتوح ينتهي بجيب عسكري وبعض الجنود، ثم توقفت مكاني حين نظر أحدهم إلي، فكرت "لم أقتل في يافا.. سأقتل هنا بلا شك".
كنت سأخرج الهاتف من حقيبتي لأتصل بالسائق، فتذكرت عبارة أمي التي تظن الآن أنني في دوامي المسائي المعتاد في "الحياة الجديدة": "لا تردي أو تتكلمي في الهاتف.. أغلقيه.. كي لا يقتلوك.."، وحين اقترب مني الجندي مرتاباً سألني بالعبرية، فأجبته "?Do you speak English" فأجاب "Yes" فأخبرته أنني متوجهة للقدس وينتظرني سائق لكن هذه المرة الأولى لي هنا ولا أعرف الطريق، ليؤشر إلى اليمين الذي تجنبّته، ولم يهدأ قلبي حتى خرجت من ذلك الحاجز الآخر، الذي أبرزتُ فيه تصريحي وبطاقتي الممغنطة، ومررت، ثم وجدت السائق.
أخبرته بما حصل فضحك. 
كما ضحكت زوجة أخي حين هاتفتها لحظة وصولي "السكن" في حي أم الشرايط برام الله، وأخبرتها أنني وصلتُ للتو من يافا، وأن تطمئن أمي وتعتذر لأنني كذبت عليها، ولو أنني صدقت ما حدث كل ذلك.. 


تعليقات


http://saudiauto.com.sa


______________________
name الاسم

اخبار سيارات

_______________________

الايميل email بريد الكتروني


saudiauto7@gmail.com

________________________

التعليق comment


thank you

اخبار السيارات

‏قال SkyWriter
الحمد لله على سلامتك رحمة

http://saudiauto.com.sa


______________________
name الاسم

اخبار سيارات

_______________________

الايميل email بريد الكتروني


saudiauto7@gmail.com

________________________

التعليق comment


thank you

اخبار السيارات


http://saudiauto.com.sa


______________________
name الاسم

اخبار سيارات

_______________________

الايميل email بريد الكتروني


saudiauto7@gmail.com

________________________

التعليق comment


thank you

اخبار السيارات

‏قال Blogger
.انضم إلى eToro وقُد ثورة التكنولوجيا المالية

eToro هي السوق الرائدة للجيل التالي من المتداولين والمستثمرين. بإمكانك تحقيق أرباح مباشرة من خلال التداول عبر الإنترنت وقيادة خمسة ملايين متداول اجتماعي حول العالم، والحصول على الأموال باعتبارك تمثل جيلاً جديداً من مدراء الصناديق عندما ينسخ الآخرون استثماراتك.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"