مسلسل "Lost" واختبار الذات



رحمة حجة
أنهيت مسلسل   Lost الأميركي كاملاً، بأجزائه الستة، بواقع ١٢٠ حلقة و٨٦ ساعة، وإضافة للصبر، كانت مسألة البحث عن الذات.
المسلسل مبهر بكل المقاييس، لكن أول ما بحثت عنه بعد إنهاء مشاهدته، هو اسم الكاتب، فالقصة بتفاصيلها وأحداثها وشخوصها وتسلسلها وتداخلات الحاضر مع الماضي والمستقبل في سياق تشويق قل نظيره، كانت بالنسبة لي محور الاهتمام. ولم أجد كاتباً بل ثلاثة، هم: 
J.J Abraham
Jeffrey Lieber
Damon Lindelof
هؤلاء الثلاثة جمعوا في المسلسل بين الخيال العلمي والتاريخ والميثولوجيا والرواية الدينية (قصة البدء بقتل جاكوب لأخيه وتحرر الشر - بدء الخلق وهابيل وقابيل) والسياقات الاجتماعية المتمثلة بعلاقات الحب والكره والانتقام والخذلان والأسى والوحدة والعقاب والغفران، إضافة إلى البعد السيكولوجي، وهو فعلياً مخاض ذلك كله.
وللتوضيح لا يطلق عليهم كتاب وفق الاصطلاح التلفزيوني، إنما Creators وهو قد يكون كاتب القصة والسيناريو أو المخرج أو المنتج للحلقة أو جميعها.
بالتدريج
المتعة الحقيقية في استعراض القصص والأحداث في "لوست" هو الانكشاف والتكشف التدريجي وغير المتوقع أحياناً، إذ يتم في كل حلقة استعادة ماضي أحد ركاب الطائرة Oceanic flight 815 التي سقطت على جزيرة معزولة، وتظن أن قصة كل منهم انتهت، حتى تتم استعادة أحداث أخرى من الماضي توضح نقاط التشابك بين الشخصيات والروابط التي كانت بينهم وسيعلمون بها لاحقاً، ومنها الذي مات مع صاحبه، كالعلاقة التي جمعت الشرطية آنا لوسيّا ( قامت بدورها ميشيل رودريغيز) بكريستيان (جون تيري) وهو والد الطبيب جاك (ماثيو فوكس)، الذي كان بمثابة قائد جماعة المسافرين الناجين من تحطم الطائرة.

المسلسل حافل بالأسئلة الذاتية والجماعية، وبالمفاجآت أيضاً، إما من خلال التحولات في مسار الشخصيات بتأثير الورطة الجماعية التي وجدوا أنفسهم فيها داخل جزيرة لا يصلها أحد، أو من خلال مسار حياة الجزيرة نفسها وما مر بها ومن مرّ عليها ومن سيمر وما الذي سيحدث للعائدين إليها.
وتنتهي الأحداث الحقيقية داخل الجزيرة فعلياً حين يطير فرانك (جيف فاهاي) مسابقاً الوقت الذي أصلح خلاله الطائرة قبل اندثار الجزيرة، الشيء الذي منعه جاك حين قرر البقاء فيها لإحساسه أنه اختير لهذه المهمة مردداً ذات الكلمات التي كانت على لسان جون لوك (تيري أوكوين) بأن هذا قدره ومهمته حماية الجزيرة، ويبدو أن هذا الإيمان توطد فيه بعد قراءته لرسالة لوك قبل مقتله على يد بنجامين (مايكل إيمرسون) وكتب فيه "كنت أتمنى أن تصدقني".
إذاً، يغادر الجزيرة مايل (كين لوانغ) وجيمس (جوش هولواي) وكيت (إيفانجلين ليلي) وكلير (إملي دي رافن) و ريتشارد (نيستور كاربونيل) الذي عاصر كل ما جرى من أحداث وبشر أقاموا في الجزيرة من أجل حمايتها مقابل الخلود والشباب الدائم.
أما من تبقى على الجزيرة: ديزموند (هينري كوسيك) وهيرلي (خورخي غارسيا) وبنجامين وبرنارد (سام أندرسون) وزوجته روز (ل. سكوت كالدويل)، فيما مات جاك في نفس المكان الذي سقط به حين تحطمت الطائرة، شاعراً بالسعادة والرضى.
بينما الأحداث التي كانت تمر خلال هذه الوقائع على الجزيرة عبر فلاشات، هي افتراضية لحياة قد تأتي إذا نجحت فكرة تفجير القنبلة الهيدروجينية في مكان إحدى الحجرات التابعة لمبادرة علمية تدعى Dharma Initiative لتغيير مسار الزمن حيث علقت المجموعة الناجية في سبعينيات القرن العشرين، واعتقدت أنها ستنجح في تغيير المستقبل بحيث لا تتحطم الطائرة التي كانت في مسارها من سيدني الأسترالية إلى لوس أنجلوس الأميركية.
المميز في هذا المسلسل على مدى أجزائه الستة، هو عرض الحيوات المختلفة والخيارات المختلفة أيضاً وتأثير المشاعر من الحقد والغيرة والانتقام والتضحية والحب على سير الأحداث، خاصة إذا نظرنا إلى مسار حياة بنجامين (بن)، الذي قاده كرهه للعيش مع سكان "Dharma Initiative" إلى قتلهم جميعاً بينهم والده الذي لم يكن يعامله بشكل جيد ويحمله ذنب موت والدته، ثم خلق بن لنفسه مملكة أخرى على أنقاض "الدارما" ولكنه كان أكثر قسوة وصرامة على عكس الحياة الأولى التي تصورناها قاسية أيضاً قبل مشاهدة الجزء الخامس، الذي عاش فيه جيمس وجولييت (إليزابيث ميتشيل) ومايل بين السكان وصاروا من أفرادهم المخلصين.
أريد أن أتحدث عن الممثلين وأدائهم فأجد نفسي حائرة أيهم أفضل؟ لا أفضل فعلياً، ففي هذا المسلسل لا بطولة مطلقة، كلهم أدوا بشكل مقنع جداً، مقنع لدرجة أن أحداث المسلسل وشخصياته زارتني في أحلام النوم واليقظة.
ربما هذا ما يعنيه أن تعيش وحيداً وتتابع مسلسلاً بتركيز مطلق حتى أقصاه، حتى أقصاك.
فلاشات على الشخصيات
شخصية جون لوك التي أداها العبقري تيري أوكوين، كانت قصتها برأيي أكثر القصص مأساوية، حيث الرجل الذي وجد أباه حين اقترب عمره من الخمسينات، وظن أنه يحبه ليجد أنه يستغله لتنفيذ مصالح شخصية مرة ومرتين حتى أنه يفقد حب حياته بسببه، وتكون نهايته على يده حين يفقد القدرة على المشي ويغدو مقعداً بعدما دفعه والده من الطابق الثامن لأحد المباني، ثم يجد لوك نفسه في الجزيرة ويطلب منه العودة لإحضار الناجين منها (الهروب الأول) وهم: جاك، كيت، ديزموند، هيرلي، سن (كم ين جو) وسعيد جراح (نافين أندروز)، لكنه لم يفلح في إقناعهم فقرر الانتحار وقبل اللحظة الأخيرة دخل بن إلى بيته واستغله أيضاً ليحصل عن معلومات العودة للجزيرة وكان غادرها عبر آلة الزمن، وبعد حصوله على المعلومات قام بقتله.
الصراحة أنا ارتحت نفسياً حين أتى بن بوالد جون لوك إلى الجزيرة وقتله جيمس، الذي انتقم لموت والديه كما انتقم جون لكل الأسى الذي حل به بسببه.
جاك: الطبيب الذي كان أول المبادرين لعملية إنقاذ الركاب الناجين من تحطم الطائرة ثم مع توالي الأيام صار بنظر الجميع قائدهم، وظل حتى نهاية المسلسل القائد الذي يسعى لإنقاذ الجميع ويحمل عقدة ذنب ترك آخرين خلفه. وفي حياته الأولى قبل الجزيرة، كان عائداً بجثمان والده من أستراليا، وخارجاً من علاقة زواج فاشلة.
كيت: كانت معتقلة أثناء رحلة الطيران بسبب قتلها لزوج أمها، ووجدت نفسها في الجزيرة حرّة ومع الأيام تغدو مساعدة جاك الأولى كما يقع في حبها وتحبه هي أيضاً، لكن شيئاً ما يدفعها للابتعاد عنه وإقامة علاقة مع جيمس (سوير) خاصة كلما رأت جاك يتقرب من أنثى غيرها مثل جولييت أو آنا لوسيّا، وأعتقد أنها كانت تحب جاك لكنها كانت داخلياً تشعر بأنها في حياتهم الأولى لا يليقان ببعضهما، فهو الطبيب الصيب المحبوب وهي القاتلة الهاربة والمتخفيّة من الشرطة، إلا أن بكاءها الأخير حين عرفت أن جيمس يحب جولييت حباً حقيقياً وكان ينوي الزواج بها، جعلني أعيد النظر!
ديزموند: كان من أجمل القصص، خاصة حبه لبيني (بينلوبي) وهي الممثلة البريطانية سونيا والغر، ومن أكثر المشاهد المؤثرة في المسلسل حين تذكر رقمها وهو في سفينة وسط البحر وكان قال لها إنه سيهاتفها بعد ثماني سنوات في ليلة الكريسماس، كانت بانتظاره ولم تغير رقمها. المشهد كان عبارة عن انفجار عاطفي.
سعيد جراح: وأدى دوره الممثل البريطاني من أصول هندية نافين أندروز، والشخصية تعود لضابط عراقي في الحرس الجمهوري، كانت مهمته تعذيب المعتقلين وبينهم المرأة التي أحبها وأحبته واسمها نادية، وساعدها في الهرب ثم بعد هروبه من الجزيرة عثر عليها وتزوجها لكنها ماتت بحادث سير. طيلة الوقت كان سعيد يشعر بتقبله للصعوبات التي يمر بها باعتبارها عقاباً له على أفعاله القديمة، حتى تكون نهايته بأن يضحي بنفسه بإبعاد قنبلة عن الغرفة التي يقف فيها أصدقاؤه داخل غواصة كانت في طريقها خارج الجزيرة.
هيرلي وتشارلي (دومينيك موناغان) وجولييت وكلير وجيمس ودانييل روسو (ميرا فورلان) و.... ماذا أقول؟ جميعهم خرافيون! 
وهذا المسلسل كامل في جميع تفاصيله من التصوير والموسيقى التصويرية حتى اختيار الأغاني التي رحت أبحث عنها في اليوتيوب لجمالها.
                         

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"