الأحد، يونيو 19، 2016

"هاتف عمومي".. قراءة مثقلة بالأمنيات


رحمة حجة

في بداية صفحات هذه الرواية، تمنيت لو تحولّها مذيعة جيدة وتملك صوتاً جميلاً، إلى برنامج إذاعي، تماما كما تتحول بعض الروايات إلى أفلام، وكلما اتجهتُ في القراءة إلى منتصفه، تتوطد الفكرة، وترتسم بأن تقتبس تلك المذيعة جميع الحلقات الواردة فيه، وذات المواضيع، ثم تضيف حلقات جديدة بناء على فكر الشخصية في الرواية "هيفاء". أما النهاية.. أحبطتني!

في قراءة رواية "هاتف عمومي" للروائي الفلسطيني عبّاد يحيى، لم أستطع التخلّص من سطوة المكان الذي أعرفه وعشت فيه ثلاثة أعوام ونصف متفرقات: رام الله. 

تمنيت لو لم أكن فلسطينية، كي أتحرر من التأويلات، تأويل "راديو أجيال" وتأويل "البنك العربي" والثالث للمكان الذي قضيت فيه أسوأ أيام حياتي "رام الله التحتا". كانت قراءتها اختباراً لسيطرتي على إسقاطاتي الشخصية، ولكني لم أتحكم بها كثيراً.

أما هيفاء، فقد أحببتها، وتمنيتُ أكثر لو تكون صديقتي، لو أنها امرأة حقيقية، تنشل مسامعنا من الغباء الذي يُسيطر على الأثير الفلسطيني، وفي ذات الوقت لم أتمنّ ذلك، لأن الأحداث التي صاغت شخصيتها كانت حافلة بالأسى والمواقف المريرة.  

فيما عبّاس، أصبح بلا شك أيقونة اللعنة على التكنولوجيا بالنسبة لي، كلمّا دخلتُ بنكاً، وليس البنوك فحسب؛ إذا مثل لي العمّال والموظفين الكثيرين الذين أقصتهم التكنولوجيا لـ"توفير الوقت والجهد" وتركتهم بلا مصدر رزق ليتدبروا أمرهم وحياتهم والقادمة، وحدهم، ونحن لا نعرف هؤلاء العاملين بالضرورة، أساسًا لم أفكر يومًا أن الآلة التي تلفظ الأوراق لترتيب الدور في البنوك، احتلت مكان إنسان، كانت هذه أعظم مهام حياته! 

الكشف عن شخصية الراوي كان بالنسبة لي مفاجأة، ربما لأنني لم أعتد قراءة روايات بقلم ذكر تُحكى على لسان أنثى، والعكس صحيح. لكنّي كنت أتمنى أن أقرأ علاقة الراوية (الصديقة الجديدة لهيفاء) بهيفاء نفسها، أكثر من تلك المقتضبة التي بدت كأنها مجاملة الكاتب لنا، في الأوراق الأخيرة من الرواية.  

العرض المتوازي لحكايتي عبّاس وهيفاء، كان فذاً، تتدرج فيه الأحداث وتصعد تباعًا حتى تلتقي الشخصيتين في النهاية، بمشهد عبقري (احتفال البنك منذ البداية حتى النهاية)، ارتسم في ذهني وتحركت شخوصه في رأسي وخيالي بحذافير الوصف الذي اختاره الكاتب، ووصل ذروته في التشويق الروائي داخل "هاتف عمومي".

الرائع في فكرة "عباس وهيفاء" أن الكاتب يرسم لنا حياتين لشخصين يعملان في نفس المكان، ويخوضان صراعات مختلفة مع ذاتيهما والحياة والمجتمع، ولا يلتقيان في أي من صفحات الرواية، بمعنى أن كلاً منهما يعيش بمعزل عن الآخر دون أن يعلم أحدهما أن القدَر يخطط للقاء أخير بينهما.. هي فلسفة حياتية تتكرر يوميًا وتثير تساؤلاتنا أحيانًا، ولو أردنا روايات مبنية على نفس المبدأ، سنجد حياتنا عامرة بها. أنا شخصيًا حدثت معي قصص مشابهة، كنت أتذكر أنا وأصدقاء نقاطا متشابهة مشيناها سويا دون أن نلتقي، حتى جمعتنا الحياة في لحظة لا يمكن نسيانها، كما لا يُمكن غُفرانها، حين تتحول القصة لزلّة من زلّات القدَر بحقنا!

أما المُحبط في فكرة "هيفاء وعباس" بالنسبة لي، أن ما تحقق في نهايتها كان متوقعاً منذ الصفحات العشر الأولى: رجل وامرأة وحيدان يعملان في مكان واحد. ليس مهمًا ما الظروف التي جعلت منهما "ثنائيًا" في آخر المطاف، لكن الأمر سيغدو أكثر دهشة لو لم تشد هيفاء على يدي عباس وتطلب منه الزواج، ويوافق هو متعبا منتكسا خائباً. ربما لأنني من محبّي النهايات غير المتوقعة. 

لغة الكاتب مذهلة، وفي العبارات التي صاغها على طول مجرى الرواية، فلسفة وآراء مثيرة، وأفكار تحرّك العقل، لهذا لا يمكنك تفويتُ صفحة من صفحات الرواية دون تركيز، لأنك بحاجة لأن تقرأ هذه العبارات.

في نفس الوقت، تدخلات الكاتب (لسان الراوية) كثيرة، ومزعجة أحيانًا، إذ بدا مسيطرا على شخوصه بدرجة كبيرة، ولم يستطع أي منهم الإفلات من أحكامه، وحبي لشخصية هيفاء (60%) منه بسبب الراوية، بسبب وصفها وانحيازها المطلق لها، لا أدري، لكني أميل أكثر لأن تسوقني الأحداث للتأثر بشخص ما في رواية، أكثر من أن يجرّني الكاتب لهذا التأثر.

 أما المهم في هذه الرواية، أن تأثري كان على نحو إيجابي، إذ علّمتني هيفاء، أن تكرار الأمور يوميًا لا يعني "الملل" بالضرورة، بمعنى أن نمل ونصبح مملين في الوقت ذاته. ويوميًا في عملي الجديد، كلما كتبت عبارة تقليدية في الترويج لأحد التقارير والقصص الصحافية عبر "السوشال ميديا" أتذكرّ هيفاء، وأمحو العبارة، لأنني أؤمن بأنني أستطيع ابتكار أخرى جديدة وجاذبة في آن.


هناك 4 تعليقات:

Unknown يقول...


شركة المثالية للتنظيف
شركة المثالية للتنظيف بالدمام
شركة المثالية للتنظيف بالخبر
شركة المثالية للتنظيف بالجبيل
شركة المثالية للتنظيف بالقطيف
شركة المثالية للتنظيف بالاحساء

شركة مكافحة حشرات بالجبيل
شركة تنظيف شقق بالجبيل
شركة رش مبيدات بالجبيل
شركة تنظيف خزانات بالجبيل
شركة نقل عفش بالجبيل
شركة تسليك مجاري بالجبيل

Unknown يقول...



شركة تنظيف منازل بالاحساء
شركة تنظيف بالاحساء
شركة تنظيف مجالس بالاحساء
شركة تنظيف فلل بالاحساء
شركة تنظيف شقق بالاحساء
شركة تنظيف خزانات بالاحساء
شركة تنظيف مسابح بالاحساء
شركة نقل عفش بالاحساء
شركة كشف تسربات المياه بالاحساء
شركة تسليك مجاري بالاحساء
شركة شفط بيارات بالاحساء

Unknown يقول...


شركة تنظيف منازل بالقطيف
شركة تنظيف بالقطيف

شركة تنظيف منازل بالخبر
شركة تنظيف بالخبر

شركة تنظيف بالجبيل
شركة تنظيف مسابح بالجبيل
شركة تنظيف مجالس بالجبيل
شركة كشف تسربات المياه بالجبيل
شركة شفط بيارات بالجبيل
شركة مكافحة فئران بالجبيل

Unknown يقول...



شركة مكافحة حشرات بالخبر
شركة مكافحة حشرات بالدمام
شركة مكافحة حشرات بالاحساء
شركة مكافحة حشرات بالقطيف
شركة مكافحة حشرات بالجبيل

شركة رش مبيدات بالدمام
شركة رش مبيدات بالاحساء
شركة رش مبيدات بالقطيف
شركة مكافحة حشرات بتبوك
شركة رش مبيدات بتبوك