"القسم 14".. نتحدث عن دعارة بقرار عسكري





رحمة حجة

من أين أبدأ الكتابة؟ من لحظة توقّع انتحار العقيد "إيّاه" حيث تجمّد الدم في عروقي، ثم هدأ طوفان ما حين رأيته جالسا يشرب القهوة في المطار "إيّاه" متجهًا إلى أثينا؟
أم من جهادي في منع دموعي التي أرهقها الحوار المفصلي في الرواية، بين العقيد والمقدّم، بين الصفحات 132 و135؟ وبالمناسبة، كان جهادًا فاشلًا..

توجّسٌ أوّل

منذ أول صفحة في الرواية، وضعتُ يدي على قلبي، إذ رأيتني أمام فكرة أشبه بتحقيق صحافي قد يُدمّر أكثر مما يُشيّد، وقد يقتل أحلام وآمال آلاف المواطنين في الدول التي تتعاون قواها الأمنية المحلية مع قوى دول كُبرى من أجل تحسين الأداء، وبلغة السياسة والاقتصاد: دول العالم الثالث مع العالم الأول.. وما أكثرها، بل ونحن أولّها، أعني: فلسطين.
رواية تخلو من الأسماء سوى الألقاب والرتب العسكرية والأرقام.. تخلو من تحديد الأماكن، سوى  الانعزال والمطلات الصحراوية والمباني مكررة الأجزاء.. لذا هي صالحة لكل التأويلات، وللأبعاد المحلية والإقليمية والدولية.
ليتها تتحوّل إلى فيلم سينمائي.

توجُسٌ ثانٍ

أتخيّل جميع الآباء والأمهات والزوجات والحبيبات والإخوة والأخوات، الفخورين بأقرانهم/ن من الشبّان الذين سافروا إلى دول عديدة أنتم تعرفونها بالاسم، من أجل تدريبات عسكرية على مستوىً عالٍ، على أيادي ضُبّاط خاضوا حروبًا عالمية، يُلخصّون تجاربهم في أجساد هؤلاء "النسخ المتوالية بلا ملامح، والرؤوس الحليقة وأكوام العضلات البارزة"، من أجل أن يعودوا إلى البلاد، معززّين بهراواتهم وقنابل الغاز المسيّل للدموع، الذي لا أنسى صدمتي به حين اتخذ طابعًا فلسطينيًا، لمنع تقدّم مظاهرة متوجهة إلى مستوطنة "بيت إيل" قرب رام الله.

أتخيلهم جميعًا، لماذا؟ الإجابة في سؤال: "ماذا لو كان كل هؤلاء يقيمون في الخارج داخل أقسام مشابهة للقسم 14 ويمتثلون لأوامر المتعة والتفريغ الجنسي الذي لا بد منه بقرار عسكري؟"
هل أصبح أكثر فجاجة إذا قلت: "ماذا لو كان القسم 14 مقامًا في إحدى المدن الفلسطينية، على سبيل المثال، أريحا؟!"
ببساطة وبكل ما يحمل المعنى من تعقيد ومفارقات مؤلمة، تتحدّث الرواية عن إدارة عقيدٍ لمعسكر لا يختلف عن أي معسكر آخر سوى بوجود قسم أطلق عليه اسم "القسم 14" وهو من أجل الترفيه النفسي والصحي والجنسي للعساكر، إذ يتم جلبُ "عاملات جنس" من أعراق وألوان وأشكال مختلفة، لاحتواء الطاقات الجنسية التي يحتاجها العساكر في فترات طويلة يقضونها في هذا المكان، وذلك من أجل أن يكونوا دومًا جاهزين وقادرين على تعلم المزيد والإقبال على التدريبات دون إحباطات بسبب تراكم الكبت، الذي قد يتحوّل إلى نزاعات عنيفة بينهم، أو حالات تمرّد على القوانين، وفق ما ورد في الرواية.
والتوجّس الأول والثاني قد لا يعنيان شيئًا، سوى أن الرواية تفتح نافذة في العقل للنظر إلى الأحداث بشكل خارج عن المألوف.

بعيدًا عن التأويل

أتت قراءة تفاصيل "القسم 14" بعد انتظارٍ مُطوّل منذ ذكرها يحيى على الهامش في منشور "فيسبوك" قبل إطلاقها، قال فيه إنه يكتب قصة عقيد مهووس بكاميرات المراقبة، بالتزامن مع نشر فضيحة أحد مدراء الأقسام في مؤسسة حكومية محلية، حيث كان يتلصّص على "مراحيض النساء" عبر كاميرات مراقبة، كما شدّتني المفارقة في غلاف الرواية، التي تجمع بين حذاء عسكري متسخ ويبدو أن دمًا يعلو مقدّمته، وحذاء نسائي أحمر بكعب عالٍ.
وبالمناسبة، أنا قرأت نسخة مقلدّة للرواية وليست أصلية، إذ تم إطلاق الرواية خارج البلاد، تحديدًا عبر المركز الثقافي العربي، في المغرب ولبنان، وربما هذا كان سببًا في نُدرة الحديث عنها من قبل كتاب أو نُقّاد فلسطينيين، لا أعلم، لكني شخصيًا شعرت أنها لم تأخذ حقها من الحديث مثل "رام الله الشقراء" و"هاتف عمومي"، ولا شك أن يحيى قدّم فكرة مختلفة في كل واحدة، ولكل منها بريقها الخاص، وجميعها تنبئ بما هو أكثر بريقًا في مستقبل هذا الكاتب العشريني.
أسلوب البناء الروائي في "القسم 14" محترف، ولم يعكره شيء، ولا حتى تكرار فعل "كان" بشكل لم أفهم أهو مقصود أم نتيجة غياب مراجعة أخيرة للصفحات (28-30).

الشخصيات كانت متحررة من الكاتب، أو بالأحرى كان يُمسكها بخيط ذكي، لا نشعر به، كما أنه لا يُرهقها بمُداخلاته أو تحليلاته، فهي تعرض نفسها بنفسها، وتتفاعل مع الأحداث والقارئ -على الأقل أنا- بمنطق أليف وتشابكي.
والنهاية –كفكرة- كانت حاسمة بقدر ما هي مفتوحة، وكتبت بطريقة تخفف الارتباك بقدر ما تثير التساؤلات، ومن يصبر بعد قراءة الإهداء "إلى أسباب أربع ساعات في المطار إيّاه" سيشعر بمتعة فك سحر هذه العبارة في الصفحة "157".
أما الحوارات والهواجس الذاتية وحبكة الكوابيس التي كانت تتقاطع ويقظة العقيد، فمكتوبة بشكل أخّاذ، وإنساني عميق، ولم تنته أيٌ منها بقرار حاسم من العقيد، حتى كان الحوار الذي شكّل نقطة التحوّل الكبيرة في الرواية، وهو الذي جرى في الصفحات (132-135)، بينه والمقدّم الذي لفظ كل ما لم يكن في حُسبان الكاميرات الـ 32 التي تجمدّ العقيد أمامها ساعات طويلة بين سكران وشارد ونوستالجي ومصدوم بذاته ومعززٍ لها ببعض الشعارات التي لم تستطع تسوية علاقته بضميره وتاريخه العسكري في لحظة بذيئة كتلك.
أفلام عديدة تذكرتها أثناء قراءتي للرواية، بين مصر وفيتنام واليابان، تتقاطع في بعض النقاط معها، خاصة في ما يتعلّق بفكرة التفريغ الجنسي كمهمة لا بد منها وعمل أكثر منه علاقة، إضافة إلى صبغه بقشرة "وطنية" كي يتحلل المترددون فيه من أعبائهم الأخلاقية والدينية والعضوية التي قد تمنعهم من أداء "الواجب".
وبالنسبة للأسباب، طرحت الرواية على لسان العقيد، فكرة التحلل منها عبر ما أسماه "السلطة الدينية" التي قد تأتي بسهولة وتصدر فتاوى للعساكر على مقاس الأوامر التي يتلقونها، وهو ما يؤشر على العلاقة الرمزية والقوية التي يستغل عبرها السياسيون الناطقين باسم الدين في بلادنا من أجل تليين الأنفس وإذلالها.












تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"