لا تقرأ هذا الكتاب قبل النوم!




رحمة حجة

فقط الأمور الاضطرارية هي ما تجعلك تفلت صفحة من صفحات إحدى قصص مجموعة "معرض الجثث" للكاتب العراقي حسن بلاسم، وغير ذلك، أنت غارق في التفاصيل ونهِمٌ لمعرفة النهاية.

قدرتك على الخيال تفوق الوصف، لا لأن خيالك واسع، وهذا الشيء ليس ذماً لإمكانياتك أيضًا، ولكن لأن الكاتب بارع في تصوير الأشياء لدرجة أنك تفكر فيها وقد تهجس بها خلال سيرك إذا قررت أن تحدّق في وجوه الناس.

وببساطة أكثر، إن قراءة هذه المجموعة، تشبه السير في أحد الشوارع، حافياً، ممزق الثياب، تتجه في مسارٍ مستقيم نحو شيء يمنحك الأمان، ولا حيّ سواك في الطريق، تحيط بك الجثث منزوعة الأطراف والرؤوس، وإن سلمت الأخيرة، ترى بطوناً مبقورة وعيوناً مفقوءة، ولا تستغرب إن رأيت الأشلاء تتحدث إليك، أو سمعت عويلاً من اللامكان.

أنت لا تشم سوى رائحة الموت، وتختنق بملح الدمع الذي يغرق صدور جثث الأمهات بمحاذاة جثث أطفالهن، هل قررت إغماض عينيك لهول المشهد؟

لن تستطيع.. صدّقني، لأنك ببساطة تخشى إن أغمضتها أن تسحبك إحدى الجثث صوبها وترديك قتيلاً، وإذا شاهدت سابقًا سلسلة حلقات أو فيلم "The walking dead " ستعرف ما أقصد.

وليس لهذا السبب فقط، أنت أيضًا مشدوه بما يحيطك من مناظر تريد ألا تراها كما أنك تريد التحديق بها، لإبداع المجرم في قتل ضحيته، أو في إعادة ترتيب جسدها، أو خلق أجساد جديدة من إخاطة ولصق الأشلاء وفق ذوق الفنان، عفوًا، المجرم.

كما لن تغيب عنك مشاهد الجثث التي يبدو أنها كانت في صراع مع بعضها قبل اتجاهها جميعًا إلى ذات المصير، فهذه جثة تأكل أصابع أخرى، وتلك تفقأ بإصبعها عين ثانية، وجثة رجل يغتصب جثة امرأة فمُها لا يزال مفتوحاً لصرخة غير مدويّة، لكنك تسمعها!

وسترى بين الجثث، أخرى ما زالت واقفة لكنها محنية الظهر للحقائب التي تحملها، تنظر يمنة ويسرى وإلى الخلف، كأنها تخاف غدر أحدهم، بينما تظهر جثث ترتدي ملابس طابعها أوروبي، ولم يحصل لها شيء، تُدخّن سجائر وتشرب الكوكاكولا، وتتأرجح كأن الأمان يُحيطها خارج هذا المكان، ما سرّها؟ تحاول التأويل ثم ترتاح إلى أنهم بشرٌ أحياء لكنهم في الوقت نفسه منزوعو الروح.

ثم ستلحظ جثثاً ببزاتها العسكرية منها تضغط أصابعها زناد بنادقها، وأخرى تشرع أبصارها نحو السماء ملقاة على ظهرها وأسلحتها إلى جانبها، وتلمح ملابس عمل مختلفة، فهذه لممرضة، وأخرى لميكانيكي، وثالثة لموظف بنك، ورابعة لعامل في محطة بترول، وخامسة وسادسة.. إلخ، 
وحده القاتل لن تعرف ثيابه الرسمية، أي تلك التي يرتديها قبل ذهابه للعمل!

هل هؤلاء هم أهالي العراق فعلاً؟ أم هذه القصص كما الصور، تجميدٌ مكثف للحظات مرت وتمر وستمر مجدداً؟ صحيح، أنا لا أنصح بقراءته قبل النوم، خصوصا إذا كنت وحيدًا، أيضًا، لا تقرأه صباحًا، لأنك ستشعر أنك القاتل في كل قصة، وليس الضحية، لسبب بسيط: أنك حيٌ إلى الآن ولم تنقذ أحدًا، وقد يؤثر هذا على سير عملك، وتظل مشغولًا بهم وبأوجاعهم.

اقرأه بين بين، في المسافة بين ضميرك وحلمك، بين استيقاظك ونومك، بين ابتسامتك وكدرك، بين هرولتك للحياة وهربًا منها، أو إن كنتَ لا تخشى شيئًا، اقرأه بعد الفطور، وقبل النوم، تمامًا مثل جرعات دوائك مرّ الطعم، المهم.. أن تقرأه!

تعليقات

‏قال Blogger
eToro صفقات التداول المفتوحة في 227,585,248

تداول من أي مكان وقتك ثمين. تداول من خلال الكمبيوتر أو الجوال أو الكمبيوتر اللوحي

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"