ذاتَ موت في يافا!




رحمة حجة

كان اليوم قدس، والجو أقل حرارة من المعتاد في مثل يوم صيفي كهذا. أنتهي من الصلاة في المسجد الأقصى وأدعو ما تيسّر من أمنيات تعبتُ تكرارها كل عام "اللهم اهدني للطريق الحق في الدين والعلم والسياسة"، إذ أراني 

في كل عام أهتدي إلى ما لا أراه بين الناس، فلا أعلم هل استجبتَ دعائي يا الله أم فهمته بشكل معاكس!

الجلال والجمال الذي يحيطني الآن هو سرّ سعادتي، فها أنا أقضي الليل كما حظيتُ به قبل عامين في رحاب المعراج، أتحرّى خطوات مريم في رعاية المكان الذي اختارته عن رضا قلب ورب. أتفرّس في ذاكرة المصلين التي ستذوي بعد حواجز عدة من هنا، أو ربما تُثار ببعض الدمع وكثير من الدم المُراق في مواجهات ليلية.

ياااااه، هل جربت واستيقظت على أشعة الشمس متكئًا على أحد أعمدة الساحة حول مسجد قبة الصخرة؟ أنا جربت. ليس أعظم من هذه الفكرة سوى شيء لم يأت بعد.

ها هو قدَري يسير بي نحو شاطئ يافا، وملكُ الموت يرقُبني من بعيد، يتركني ألهو قليلًا بماء البحر، والأشعة تضمر رويدًا رويدًا فتتحول الشمس كتلة من لهب أحمر يلقي بدفئه أعلى الموج الهادر عند قدمي.. أقتربُ أكثر، أسير نحو موتي المقدّر، فهذا ليس انتحارًا، إنه موت محتم..

كيف يكون انتحارًا والملَكُ واقفٌ بانتظاري حتى اللحظة المناسبة، التي يستلّ فيها روحي ويأخذها إلى البعيد البعيييييد؟

خذني أيها الموت إليك، ولا تثر خلفي الفوضى والحماقات، وأجب كلّ من يسأل عن سببك، أنها المرأة التي ماتت على طريقتها، ورحلت في لحظة قدَرية نقية تمامًا، لا أكثر.

خذني أيها الموج بعيدًا، أحضن جسدي الذي خاف قبل قليل منك ثم قرر جريئًا فناءه بين مدك وجزرك، خذني فما عدتُ أطيق البقاء هناك؛ مكاني هنا.. عندك، حيث فرصة عناق أخير بيننا.

طالما أوجعني غرقُ الشبان في بحر يافا، الذين يستريحون في نشرات أخبار الصباح على شاشاتنا، لكنه أيضًا كان مثار غيرتي. نعم، أنا أغار من موت خلّابٍ كهذا.. إنه موت المحروم من وطنه في أغلاه.. صحيحٌ أنني أعشق عكا أكثر، لكن وقع يافا أعمق في قلبي.. خذني أيها البحر، أنا ابنتك التي نسيتَ أن تعلمها السباحة، ونسِيَت عن قصد تعلُمها، كي لا تنجو من موت حرٍ فيك إذا ما قررت فجأة، أن لا تموت.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"