أنا أنتَ ورام الله




رحمة حجة

تطلّ على رام الله من إحدى زواياها المهمّشة، كأنك تُطلّ على المنفى في اغتراب يديك على حروف اللوحة الباردة التي ذاقت كثيرًا من عذابك أو عذاب المتعبين.

يمرّ عنك المرضى والجوعى وأصحاب فواتير المياه والحالمون والواثقون والمحبطون  والمحتجّون والقانعون والقادمون إلى لهو خفيف في حضن الحديقة الملونة بأوهام الطفولة، كما تمر عنك فصول هذي البلاد من اعتدالها في شمس أبريل إلى تطرّفها في ثلج ديسمبر، وأنت ترقب كل ذلك بارتباكك وابتسامة، أو بنفس طويل من سجائرك الكثيرة والقليلة.

كم انتظرتَ لحظات صافية في سماء بلادنا كي ترى بحرًا خفيف الموج في همس التجلّي، كم انتظرتُك أقرب.. لم تدخل في عمق بحرك أو ترتاح في مركب شاغر ينتظرك، كما لم تهدهد على تعبي في غيابك.

تعانق حزن البلاد حين تسبح في عينيك جنازة شهيد مارقة، كما تدخل عيناك في صمت طويل حين تجرجر الضحكات نفسها في ممر نظرك. كم أنت مُبصرٌ في مكانك، وكم كنتُ عشواءَ قبلكَ حتى إليكَ اهتديت، واهتدى دمي ودمعي وخافقي نحوك.

تفاصيل يومك العادية جدًا هنا، في زاويتك التي تشبه منارة عكا، تصبح فجأة لذيذة ومغايرة في البعد عنك. فكل الناس تسمع فيروز وتشرب قهوة في الصباح وتتناول طعامها سواء فطورًا أو غداءً، وأنت كذلك، وكل الناس تفرح وتحزن وتغضب وتغني وتقلق وتشرُد وتغيب في العمق حينًا وتعلو زبدًا على سطح الأشياء، وأنت كذلك. كلّ الناس تسخرُ وتؤيد وتعارض وتفتعل المشاكل وتُسامح وتعرب عن سخطها أو تكابر، وأنت كذلك، لا بل أنت سيّد المكابرة.. ورغم عاديّتك المفرطة، أحبك. وأعرف أنك الوحيد الذي استطعت تغيير بعضي ليتكامل أسرعَ في بعضك حتى لو لم يلتقيا.

لا شيء يفرقنا كما لا شيء يقرّبنا الآن، لكنّي أتقمّصكَ بقصديّةٍ عالية، وتُعجبني حالتي، حتى لو لم ترني. أعرف أنك بشكل ما تسمعني، وتردد اسمي في ذاكرتك كي لا تنساه. أنا أجمل ما في ذاكرتك، فهل تُنكر؟ 

أستمعُ لأغانيك المفضّلة، أتناولُ طعامكَ المفضّل، أجرّب أنواع الشوكولا الجديدة كي أحتفظ بالألذّ وأخبرك به يومًا، "أحوّش" موسيقى وأشعارًا جديدة كي أقترحها عليك إذا ما عُدنا رفاق دربٍ وروح، أقرأ كل ما فاتني مما قرأت كي أصير ندًا قويًا لاستهتارك الذي يظُنني فريسة، وأقرأ ما لم تقرأ أيضًا كي أشرَبَكَ وحدي في لغةٍ فريدة، لا تليق إلا بك.

أنا انتصرتُ أم أنتَ من منّا انتصر؟ لا فرق. لقد ربحنا معركتنا الخاسرة منذ البداية حين صمَدنا أمام قبلةٍ خاطفة، وجعلنا من العناق شيئًا مستحيلًا، وهزمتنا -لا شك- أمنياتنا المدفونة إذ تُلحّ علينا آخر كلّ يوم بغصّة في الحلق ودمعتين!

لم أعد أسالني "لماذا" لأنني آمنتُ أنك هكذا، وأنّ قلبي هادئ في موجه نحوَك، لا يغيّره البعد إنّما يزداد صبابةً وجوى. ربما سينتهي يومًا إذا لم تكن مثلي، تزدادُ شوقًا، لكن النهاية ليست الآن يا "أعدلَ جائر"، ولا تزال عيناك كما تقول القصيدة "حلمي الذي سيكون.. كبيرًا كما يحلم المتعبون" ولا تزال في نظري الأحمقَ الذي يبكيني ويضحكني ويغتال بردي في ليالي الحرب القاسية.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"